أكثر ما تحتاج إليه المجتمعات الخارجة من الزمن الدكتاتوري، وتمرّ بمراحل انتقالية، ليس فقط وجود سلطة مسؤولة وقادرة على إدارة الدولة، بل وجود معارضة محترمة وذات مصداقية، تدرك أن دورها لا يقل أهمية عن دور السلطة نفسها. فالمعارضة ليست حالة عداء دائم للسلطة، وليست سعياً محموماً إلى إسقاط كل ما تقوم به الحكومة، كما أنها ليست مجرد منصة لتجميع الساخطين أو المتضررين أو بقايا النظام الساقط. المعارضة الحقيقية هي جزء من البناء الوطني، وهي أحد الضمانات الأساسية لمنع الاستبداد والانحراف والفساد، شرط أن تستند إلى الأخلاق والنزاهة والصدق في ممارساتها ومواقفها.

أثبتت التجارب أن المعارضة تستطيع أن تتحول إلى قوة فوضى وتدمير وانقسام عندما تفقد بوصلتها الأخلاقية. فعندما تصبح الشائعة أداة سياسية، والكذب وسيلة للتأثير، والافتراء أسلوباً في العمل العام، فإن المعارضة لا تضر السلطة فقط، بل تضر المجتمع كله. ذلك أن المواطن العادي يفقد قدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف، ويتحول المجال العام إلى ساحة من الضجيج والاتهامات المتبادلة، واختلاط الوقائع بالأوهام، ويصبح الوصول إلى الحقيقة أمراً بالغ الصعوبة.

السياسة التي تنفصل عن الأخلاق تتحول بسهولة إلى ممارسة انتهازية

إن المعارضة التي تبني خطابها على تضخيم الأخطاء أو اختلاقها لا تؤدي دوراً رقابياً، بل تمارس شكلاً من أشكال التضليل. وقد يبدو هذا السلوك مفيداً على المدى القصير، لأنه يجذب الانتباه ويثير الانفعالات، وينتزع حضوراً إعلامياً سريعاً، لكنه على المدى الطويل يقوض الثقة العامة. وعندما يكتشف الناس أن جزءاً من الخطاب المعارض قائم على الرعونة والتزييف والمبالغات أو الأكاذيب، فإنهم لا يفقدون الثقة في تلك المعارضة وحدها، بل قد يفقدون الثقة في فكرة المعارضة نفسها، وهو أمر مردوده سلبي على الحياة السياسية برمتها.

المشكلة الأكبر تظهر عندما تتحول المصالح الشخصية إلى المحرك الأساسي للمواقف السياسية. فهناك فرق كبير بين معارضة تنطلق من رؤية وطنية، حتى لو كانت خاطئة أو ناقصة، وبين معارضة تحركها حسابات المكاسب الفردية والرغبة في النفوذ أو الثأر لهزيمتها السياسية. في الحالة الأولى يمكن أن يكون هناك حوار واختلاف مشروع، أما في الحالة الثانية فإن السياسة تفقد معناها الأخلاقي وتتحول إلى صراع مفرغ من السياسة، مجرد من أي اعتبار للمصلحة العامة.

ولهذا فإن الحاجة اليوم ليست إلى معارضة أكثر صخباً، بل إلى معارضة أكثر جرأة ونزاهة. معارضة تلتزم بالحقيقة حتى عندما لا تخدم مصالحها السياسية. معارضة تعترف بالإنجاز عندما يتحقق، كما تنتقد الخطأ عندما يقع. معارضة لا تخشى أن تشيد بالسلطة عندما تصيب، مثلما تتجرأ على انتقادها عندما تخطئ. لأن معيارها ليس تحقيق المكاسب الإعلامية، بل خدمة المجتمع والدفاع عن المصلحة العامة.

إن الأخلاق ليست أدوات تجميل تضاف إلى العمل السياسي، بل هي شرط من شروط شرعيته. فالسياسة التي تنفصل عن الأخلاق تتحول بسهولة إلى ممارسة انتهازية، سواء صدرت عن السلطة أو عن المعارضة. ومن هنا فإن النزاهة والصدق والأمانة الفكرية ليست فضائل ثانوية، بل هي أدوات عمل أساسية. فالمعارض الذي يتعمد إخفاء الحقائق أو اجتزاءها أو تحريفها لا يختلف كثيراً عن المسؤول الذي يفعل الشيء نفسه، وعلى الرغم من اختلاف الموقع، الضرر واحد.