إنّ أحد أخطر أشكال التفكير السياسي هو مصادرة المستقبل؛ أي الادعاء بأنّ التاريخ قد حسم أمره، وأنّنا نعرف من موقعنا الآن إلى أين ستأخذنا أحداثه، ما أوقع بعض الحركات السياسية في هذا الوهم، سواء كانت في السلطة أو في المعارضة، فانتهت إلى قراءة الطالع من خلال أفكارها، بدلاً من أن تعدل أفكارها وفقاً للواقع.
حالياً، نميز في المرحلة الانتقالية في سورية من بين الأنماط المتعددة للمعارضة؛ نمطان دارجان من الخطاب السياسي، نشاطهما على وسائل التواصل الاجتماعي، هما الأعلى صوتاً، وكل منهما لا يقل عن الآخر في قراءة المستقبل: الأول خطاب يقوم على الشائعة، ما يحيلها من خبر غير مؤكد، إلى خبر موثوق، على أنه حقيقة من دون تحقيق ولا تحري دليل، لأنّ الغاية ليست فهم الواقع، بل التأثير في جمهور وسائل التواصل. ويعتمد على سرعة انتشار الشائعة أكثر من اعتماده على صحتها، وعلى إثارة الخوف أو الغضب بتلفيق أخبار عن وقائع وأحداث. هذا النمط يتمتع بالقدرة على الانتشار، في عصر المنصات التي تكافئ الإثارة وتتجاهل التحقق، بالنظر إلى أن الأخبار لا تخضع للمراقبة قبل النشر.
أما النمط الثاني فهو أكثر تعقيداً، لأنه قد يبدو عقلانياً للوهلة الأولى. إنه لا يبني أحكامه على وقائع حدثت، بل على يقين بالمستقبل، فيقول مثلاً: السلطة الحالية على طريق الدكتاتورية، تعمل على بناء دولة بوليسية، وتؤسس شبكة واسعة لضمان ترسيخ فساد شامل خلال السنوات المقبلة، أو أنهم يبيعون البلد. قد تكون هذه المخاوف مشروعة بوصفها احتمالات تستحق التنبيه إليها، لكن الإشكال يبدأ عندما يتداول الحديث عنها، لا على أنها احتمال، بل تخطيط في مرتبة اليقين، المفروغ منه، طالما أنه سيتحقق قطعاً، وكأنّ المستقبل أصبح حدثاً منجزاً.
سواء كان تحذيراً أو تنبؤاً، فالفرق بينهما كبير. فإذا كان تحذيراً كما في القول: “إذا استمرت هذه السياسات ستقود إلى الاستبداد”، ما يفتح باب النقاش ويظل قابلاً للمراجعة. أما إذا كان تنبؤاً فتقول: “هذه السلطة استبدادية حتماً” حتى لو لم تظهر الممارسات التي تثبت ذلك، لكنه يغلق النقاش منذ البداية، لأنه يعامل المستقبل كما لو كان ماضياً منتهياً.
كلما استندت المعارضة إلى وقائع ملموسة أصبحت أكثر قدرةً على الإقناع
إن تقييم الأنظمة السياسية لا يقوم على النيّات، ولا على المخاوف وحدها، وإنما على الممارسات والسياسات الفعلية. إن من حق المعارضة أن تراقب تركيز السلطة، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، وشفافية الإدارة، وحقوق المواطنين. وكلما استندت إلى وقائع ملموسة أصبحت أكثر قدرة على الإقناع وأكثر فائدة للمجتمع.
لهذا؛ لا تنشغل المعارضة الواقعية بسؤال: ماذا سيحدث بعد خمس سنوات؟ بقدر ما تسأل: ما الذي يحدث الآن، وهل من الممكن أن يؤدي إذا استمرّ إلى نتائج خطيرة؟ أي أنها تستند إلى الواقع… هذا فرق جوهري.
فلو ظهرت اليوم مؤشرات على تقييد القضاء، أو التضييق على الصحافة، أو تغوّل الأجهزة الأمنية، فإنّ نقدها ليس نقداً للمستقبل، بل للحاضر الذي قد يصنع المستقبل. أما إذا لم تظهر هذه المؤشرات، وأصبح الحديث كله عن نظام استبدادي لم يتشكل بعد، فإنّ النقاش يتحول إلى ساحة من التوقعات المتناقضة التي لا يستطيع أحد إثباتها أو نفيها.
-
المصدر :
- العربي الجديد