لئلا نختلف حول وجود الحقيقة من عدمه، سنعترف بتلك الحقائق التي توافَق أغلب البشر عليها، فالعدالة والحريات بأنواعها، كذلك ما يلتحق بها من قضايا، مثل الديمقراطية والعلمانية والليبرالية، مهما جرى من خلاف حولها، أصبحت بمثابة الحقائق التي يدافع البشر عنها، وقد ينذرون حياتهم لها، ولا ريب أن هناك أعداداً كبيرة من المثقّفين يدعون إليها، ومنهم من يعتبرها قضيته الكبرى، من دونها لا معنى لحياته. كما أصبح من المألوف توافر مثقفين يدافعون بصدقٍ عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة، وهم من الكثرة حتى إنه نادراً ما نجد مثقفاً لا يؤمن بها، وبات وصف مثقف يستدعي آلياً هذه القضايا، إلى حدٍّ بات لا يمكن الفصل بينه وبينها.

لكن ماذا عن موقع الحقيقة في علاقة المثقف بما يؤمن به، في حال حدث تناقض بينهما؟ أي ماذا لو تعارضت الحقيقة مع القضية التي يتبناها؟ ترى عن أيهما سيتغاضى؟ على سبيل المثال، هل يجوز أن ينشر واقعة لم يتحقق منها، أو يكذب بشأن حادثة يعرف أنها قد تؤذي قضيته، لأنها تخدم موقفه السياسي؟ ليس التناقض هنا في أن يكون مخطئاً فحسب، وإنما في أن إغفال الحقيقة وتجاهلها يمنحانه استثناء يدعم موقفه.

قد يبرر ما فعله بأنه كذب من أجل الحقيقة، أو أن عدالة قضيته تمنحه إعفاءً أخلاقياً، وإذا أردنا تفهّم ما أقدم عليه، يمكن القول إنه لم يعد يرى الحقيقة إلا من خلال قضيته، فهو ميال ومستعد لتصديق ما يريد تصديقه، ونشر ما يريد نشره، وتأويل الوقائع بما يناسبه. وبذلك يتحول من حيث لا يشعر إلى صورة مصغرة عن السلطة التي كان يعارضها، السلطة التي تُحدّد الحقيقة مسبقاً، ثم تبحث عن الوقائع التي تثبتها.

ما يستدعي السؤال، هل يؤمن المثقف بالحقيقة فعلاً أم يؤمن فقط بحقيقة تخدمه؟ إذا كانت الإجابة الثانية، فإن الدفاع عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان يصبح قابلاً للتحوّل إلى عقيدة مغلقة؛ وكل عقيدة مغلقة تستطيع تبرير ما تطلقه من ادعاءات.

لذلك ليس من الصواب، الاعتقاد بأن الحقيقة تمتلك قيمة مستقلة عن الموقف السياسي والأخلاقي الذي نتخذه، فالحقيقة ليست دائماً مريحة، بل بالعكس تماماً، لا تظهر قيمتها إلا عندما تكون مؤلمة لنا، وربما شائكة لضمائرنا، واختبار المثقف ليس في أن يقول الحقيقة حين تكون في صفه، بل في أن يمتنع عن الكذب حين تكون ضده.

هل يؤمن المثقّف بالحقيقة فعلاً، أم يؤمن فقط بحقيقة تخدمه؟

وفي حال لبثنا في الدائرة نفسها يحقّ التساؤل: إذا كانت القضية التي يدافع عنها عادلة حقاً، فلماذا التلاعب بالحقيقة؟ وإذا كانت الديمقراطية أفضل من الاستبداد، فلماذا تحتاج إلى اختلاق جرائم أخرى؟ وإذا كان اضطهاد المرأة جريمة، فلماذا اختلاق حالات اضطهاد، لإثبات ذلك؟ وإذا كانت السلطة ارتكبت انتهاكات حقيقية، فلماذا تحتاج إلى إضافة انتهاكات وهمية؟

والأخطر أن الإشاعة حين تُستخدم لخدمة قضية عادلة لا تبقى بالضرورة في خدمة تلك القضية. فقد ينكشف لاحقاً كذبها، ويصبح الضرر مضاعفاً؛ تُظلم الحقيقة، وتُضعف القضية التي استُخدم الكذب للدفاع عنها.

ويمكن الذهاب أبعد من ذلك: الحقيقة التي لا تخدم موقفنا هي الاختبار الأخلاقي لعلاقتنا بالقضية التي ندافع عنها.