الملاحظ كثرة استدعاء التراث السياسي الغربي والعربي في مقالات بعض المثقفين، بمناسبة ومن دون مناسبة، وليس هذا غريباً، فهناك من يقول حان وقت التحولات الكبرى في البلدان العربية، ولا تشذ عنها سورية، ما يتطلب الاستعانة بعالم الأفكار كنوع من الاختبار، يستهدف صناعة المستقبل. وإذا كان من الطبيعي استحضار الكواكبي ومونتسكيو وأرندت وروسو وغيرهم، فهذا أمر جيد، لكن بعضه ليس بسلامة نية، هذا الاستدعاء يتحول أحياناً إلى وسيلة لتثبيت أحكام مسبقة أكثر من كونه محاولة لفهم الواقع، ما يوحي بأن السلطة الجديدة تؤسس بالضرورة لنظام استبدادي، وهكذا يصبح التنظير بديلاً عن تحليل الواقع والوقائع، وتغدو المفاهيم سلاحاً مؤدلجاً في الصراع السياسي، لا أداة لفهمه. لا يعني ذلك تعطيل النقد ولا منح أي سلطة حصانة من المساءلة.
في هذه المرحلة الحرجة، يقوم مثقفون باستعمال الثقافة لتبرير عداواتهم لبناء الدولة من خلال تنظير موارب، مع أن المطلوب فعلاً هو دفع السلطة نحو المزيد من الانفتاح، والمطالبة بتوسيع الحريات، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز استقلال القضاء، ومكافحة الفساد أياً كان مصدره، سواء كان امتداداً لبنية النظام السابق أو تجديده في ظل السلطة الجديدة. أما الاكتفاء بإلصاق تهمة الاستبداد مسبقاً، من دون مؤشرات موضوعية أو أدلة متماسكة، فإنه يحول النقاش العام من رقابة عقلانية على السلطة إلى معركة أيديولوجية لا تنتج سوى المزيد من الاستقطاب.
يمكن وصف هذا التنظير بالنقد الاستباقي، ينطلق من افتراض أن السلطة ستصبح مستبدة حتماً، ولذلك يجري تفسير كل خطوة باعتبارها دليلاً على هذه النتيجة، ما يحول الثقافة إلى ذريعة لإخفاء الدافع الحقيقي. فإذا كان الدافع هو الخصومة السياسية، فإن استدعاء أسماء المفكرين يمنح الخصومة مظهراً معرفياً. بهذا نشهد تحول الثقافة التي يفترض بها أن تكون أداة لفهم الواقع، إلى أداة لإعادة إنتاج المواقف المسبقة. هذا ليس اتهاماً للثقافة، بل دعوة إلى مساءلة الطريقة التي تُستعمل بها في الصراع السياسي.
ما يُحيلنا من خلال منظور أوسع إلى الأقنعة، فالسلطة قد ترتدي قناع الوطنية لتخفي أخطاءها وتقصيرها، والمعارضة مثلها قد ترتدي قناع الثقافة لتخفي أحقادها، وهزائمها. والناشط قد يرتدي قناع الحقوقي طلباً للشهرة أو النفوذ، ورجل الأعمال قد يرتدي قناع المصلحة العامة ليخفي مصالحه الخاصة، وكلما تعددت الأقنعة، تعددت الادعاءات. ولا بد في هذا السياق من استثناء ناشط ينتقد مدفوعاً بإخلاص حقيقي، وهذا لا يحتاج إلى قناع.
يقوم مثقفون باستعمال الثقافة لتبرير عداواتهم لبناء الدولة
حجة هذه الفكرة، تتحدد بوصفها نقداً لطريقة توظيف الفكر، لا رفضاً للفكر نفسه، خاصة أن هؤلاء المفكرين ليسوا مسؤولين عن الطريقة التي يُستدعون بها إلى النقاش السياسي. المشكلة ليست في الاستشهاد بهم، وإنما في تحويلهم إلى سلطة فكرية جاهزة، تُستعمل لإصدار أحكام مسبقة على الواقع، بدلاً من أن يكون الواقع هو الذي يُختبر في ضوء أفكارهم.
ملاحظة أخيرة: إن المفكرين الكبار أنفسهم كانوا يحذرون من تحويل أفكارهم إلى قوالب جامدة. فالنظريات السياسية ليست نبوءات، وإنما أدوات تحليل. وإذا تحولت الأداة إلى عقيدة تُطبَّق على كل واقع مهما اختلفت الظروف، فإنها تفقد وظيفتها المعرفية وتصبح جزءاً من الخطاب الأيديولوجي الذي يفترض ما يريد إثباته.
-
المصدر :
- العربي الجديد