عموماً، يشمل وصف “الكاتب”: المفكر، والمثقف، والشاعر، والأديب، والفنان. من باب التلازم المفترض بينهم وبين الأخلاق. أما من باب الدقة، فنخصّ منهم الذين يدعون إلى النزاهة، بينما يمارسون عكسها من الرذائل خفية وربما جهاراً، بدعوى أن ما يحق لهم لا يحق لغيرهم.
لا يرى بعض الكتّاب أنفسهم أفراداً عاديين، إذ تتكون لديهم، بفعل الشهرة، أو المعرفة، أو المكانة، أو الاعتراف الاجتماعي، قناعة ضمنية بأن لهم استثناءً أخلاقياً. بالتالي، ما يحيط بهم من التباس، ناشئ عن ادّعاء، ولو كان ساذجاً، يُجزم بأن الكاتب إنسان أخلاقي، بالمعنى المثالي، بينما قد يكون الكاتب عظيماً في أدبه، سيئاً في حياته، أو يكون شخصاً عادياً، ويتحلى بالأخلاق ويكتب عنها بإخلاص شديد. لا توجد علاقة آلية بين الموهبة والفضيلة، كما المعرفة لا تجعل الإنسان أفضل بالضرورة، هذا إذا أدركنا أن الأدب لا يصنع القديسين، مثلما المسوح لا تصنع الرهبان.
في البدء، علينا أن نفرّق بين أمرين معروفين: الأخلاق بوصفها موعظة، والأخلاق بوصفها سلوكاً. قد يكون الكاتب بارعاً جداً في الحديث عن الحرية والعدالة والنزاهة وكرامة الإنسان، من دون أن يعني ذلك أنه يمارس هذه القيم في حياته. بل إن امتلاك القدرة على التعبير عنها قد يمنحه أحياناً قدرة إضافية على تغطية تناقضه مع نفسه. إن ما يقوله عن الأخلاق والطريقة التي يعفي نفسه منها، يحتاج إلى مهارة لا تخلو من احتيال.
حين يدعو المثقف إلى الخلق الحميد، لا يكذب بالضرورة، قد يكون مؤمناً فعلاً بما يقوله. وهذه نقطة مهمة. كما ليس بالضرورة أن يكون صاحب الخطاب الأخلاقي منافقاً. قد يكون مقتنعاً بالنزاهة والحرية والعدالة، لكنه عندما يصل الأمر إلى مصلحته الشخصية يتغير المعيار تلقائياً. هذه ليست مجرد ازدواجية أخلاقية؛ إنها آلية نفسية معقدة. الإنسان لا يريد غالباً أن يرى نفسه شريراً أو انتهازياً. فهو لا يعترف بأنه يخون مبادئه سعياً وراء مصالحه، طالما يستطيع. أن يعيد تفسير الفعل بحيث يبقى محتفظاً بصورة طيبة عن ذاته. الخطورة أن الثقافة نفسها تمنحه أدوات التبرير، فهو ليس بالإنسان العادي الذي قد يرتكب الخطأ ويصمت، ما دامت القدرة اللغوية والفكرية تساعده على إعادة صياغة الخطأ على أنه الصحيح.
قد يؤمن المثقف بالأخلاق، لكن مصلحته قد تغيّر معياره
مع الوقت، يتحول من إنسان متناقض إلى صاحب سلطة أخلاقية زائفة تجعله يتابع هذه الازدواجية باستعمال قاموس، تشكل ليس بتجربته وحدها القاصرة والمحدودة، وإنما بالاستعانة بطاقم من آراء المفكرين، تساعده على التبرير، فيغدو من الطبيعي أن الانتهازية تصبح براغماتية، والتراجع عن رأي سبق إعلانه أن يصبح مراجعة نقدية. أما الخيانة، فتصبح وجهة نظر حسبما يشاع. أما تسفيه كتابات الغير من دون حق ولا دليل فتصبح ممارسة نقدية، بالتالي يصبح التشهير البذيء كشفاً للحقيقة. وفي بعض الأحيان يصبح التباهي بالموبقات والبوهيمية والحقارة لافتاً. إذا منحه الادب مساحة للاعتراف بقذارات يعجز غيره عن التلميح بها، تُحسب إذا أتقن كتابتها على أنها جرأة يستحق عليها التقدير. ولا يعود ارتفاع سوية خطابه الأخلاقي، إلا وسيلة لحماية الذات من انحطاط فسادها. وهكذا لا يكتفي بارتكاب الفعل، وإنما ينتج فلسفة صغيرة تبرر له ارتكابه.
-
المصدر :
- العربي الجديد