قد لا يعول الكثير على هذا السؤال، العدالة لا تشفي جراح الضحايا، لأنها لا تملك سلطة على الماضي. فلا حكمَ بالإعدام يعيد أمّاً إلى ابنها، ولا سجنَ مؤبداً يعيد زوجاً إلى زوجته، ولا حكمَ قضائياً يملأ الفراغ الذي تركه إنسان كان محور حياة أسرة كاملة.. إن أي محكمة في العالم، مهما بلغت عدالتها، تعجز عن إعادة الزمن إلى الوراء، لهذا يشعر كثير من أهالي الضحايا بأن العدالة ناقصة، ولا نغالي عندما نقول إنها ناقصة بطبيعتها.

على أرض الواقع، نضيف أيضاً أن العدالة قاصرة، لكن ما تقدمه للبشرية لا ينبغي الاستغناء عنه، بل تأكيده باستمرار، الحياة في هذا العالم تصبح مستحيلة تماماً من دونها، مع أن عملها محدود، ما دام هناك من يمنعها عن التحقق، لهذا تجهد الإنسانية في السعي إليها، وتضع القوانين لحمايتها.

غاية العدالة ليست إزالة الألم، لأن ذلك مستحيل، وإنما منع الألم من أن يتحول إلى قاعدة تحكم حياتنا. كما تمنع الجريمة من أن تصبح أمراً عادياً، وتجعل من العقوبة إجراء صريحاً، وهذا يعني أن حياة الإنسان ليست مباحة. فالمحكمة لا تنتصر للميت وحده، بل تنتصر للمبدأ الذي يجعل الحياة الإنسانية قيمة عليا. ولهذا لا يكون العقاب انتقاماً من المجرم بقدر ما يكون دفاعاً عن الإنسانية نفسها، وتذكيراً للأحياء بأن الدم الإنساني حق، لا يُهرق مهما كان السبب.

العقوبة لا تغيّر الماضي، لكنها تحدد معنى الماضي بالنسبة إلى المجتمع

إذا كانت العدالة لا تستطيع إصلاح الضرر، فما معنى العقاب؟ العقاب ليس تعويضاً عن الضحية، بل هو إعلان أخلاقي وقانوني من المجتمع، يقول إن حياة الإنسان ليست ملكاً لأحد، وإن من ينتهكها يجب ألا يفلت من المساءلة. فالعقوبة لا تغيّر الماضي، لكنها تحدد معنى الماضي بالنسبة إلى المجتمع.. أي أن ما حدث واستمر نصف قرن، ولم ينته إلا بعد ثورة وحرب دامت 14 عاماً خلفت مليون ضحية، وملايين المهجرين وخراباً لم يستثن المستشفيات والمساجد والكنائس، هذه الجرائم لن تمر من دون عقاب لئلا تتكرر.

الحكم بالعقوبة، بالنسبة إلى أهل الضحية، قد يخفف شعورهم بما أصابهم، وأيضاً عدم تخلي العالم عنهم، وإن لم يزل ألم الفقد. بالنسبة إلى المجرم، العقوبة هي تحميله مسؤولية فعله. أما المجتمع، فالجريمة ليست مجرد اعتداء على فرد، بل على نظام أخلاقي وقانوني لن يكون التعايش من دونه ممكناً.

إن القاتل لا يعتدي على شخص واحد فحسب، بل يعتدي على القيمة التي يمثلها كل إنسان. ومن ثم فإن المجتمع، عندما يحاكمه، لا يتحدث باسم أسرة الضحية وحدها، بل باسم الإنسانية التي ترى في الحياة البشرية قيمة لا يجوز انتهاكها.

في هذا السياق، يمكن أيضاً القول إن المحاكمة نفسها تحمل معنى يتجاوز العقوبة. فلو اكتفى المجتمع بالانتقام، لتحول إلى صورة أخرى من العنف. أما المحاكمة، حتى حين تنتهي بالإعدام أو بالسجن المؤبد، فهي تقول للمجرم: نحن لا نعاقبك بالطريقة التي عاقبت بها ضحيتك، بل وفق قانون يسري على الجميع. هذه إحدى أهم الرسائل التي تميز العدالة عن الثأر. أخيراً، لا تستطيع العدالة أن تهزم الجريمة، لكنها تستطيع أن تمنع المجتمع من التعايش معها بوصفها أمراً عادياً.