رواية “جمهورية الظلام” تمزج بين التخييل والتحليل، وتسعى إلى مساءلة الواقع من الداخل
دمشق- في السنوات التي أعقبت اندلاع الثورة، لم يعد الأدب السوري بمنأى عن ما جرى، إذ اتجه عدد من الكتّاب إلى مقاربة العنف والسلطة والذاكرة، محاولين تحويل الألم إلى سرد روائي. ومن أبرز هؤلاء الروائي فواز حداد، الذي واصل في أعماله تفكيك بنية النظام البائد وكشف آلياته، مقدّمًا في روايته “جمهورية الظلام” عملًا يلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في الواقع السوري.

تأتي “جمهورية الظلام” ضمن المسار الروائي لفواز حداد، الذي اشتغل على قراءة التحولات العميقة في المجتمع السوري، كما في أعماله: السوريون الأعداء، الشاعر وجامع الهوامش، تفسير اللاشيء، يوم الحساب. وفي هذا العمل يواصل الكاتب مقاربته النقدية، مقدمًا رواية تمزج بين التخييل والتحليل، وتسعى إلى مساءلة الواقع من الداخل.

من حادثة فردية

تنطلق الرواية من تقرير أمني بسيط يُرفع ضد كاتب، غير أن هذا الحدث سرعان ما يتشعب ليكشف منظومة معقدة من العلاقات والآليات التي تحكم المجتمع.

وتتوسع الحكاية لتصل إلى الأفرع الأمنية في زمن النظام السابق ودوائر القرار، مقدّمة صورة لعالم تحكمه الرقابة والخوف، حيث يتحول الفرد إلى عنصر داخل شبكة واسعة من السيطرة.

ومن أبرز ما تطرحه الرواية فكرة “الفرع الوهمي” المخصص للأدباء، في معالجة تقوم على السخرية السوداء التي تتدرج تدريجيًا نحو مسارات تراجيدية.

وفي هذا السياق، تحضر مسألة التعذيب كأحد أكثر وجوه القمع قسوة، إذ يتعامل معها الكاتب بوصفها حقيقة لا يمكن تجاوزها في أي كتابة عن تلك المرحلة.

وكتب فواز حداد على صفحته في “فيسبوك”” :التعذيب في المستشفيات لم يكن مجهولًا، ولا يمكن لمن يكتب رواية عن نظام الأسد البائد أن يتجنبه. كان حقيقة واقعة، وقد احتل في روايتي ‘جمهورية الظلام‘ حيّزًا مهمًا، ضمن فصل بعنوان: الجحيم الأرضي.”

تشظي الواقع

في قراءة للرواية، يرى الكاتب بشير البكر في مقاله بعنوان “جمهورية الظلام لفواز حداد… الثورة السورية في مرمى الاستبداد” أن العنوان يوحي بدايةً بجمهورية دينية متشددة، إلا أن النص يكشف عن نظام مختلف “لا يشبه أي نظام آخر، لا جمهوري ولا ملكي، لا رأسمالي ولا اشتراكي”، بل نظام قائم بذاته صُمم ليستمر.

ويشير البكر إلى تقاطع العمل مع عوالم جورج أورويل في “1984” ومحاكم التفتيش، مع احتفاظه بخصوصية التجربة السورية التي وُصفت بـ”جمهورية الخوف”، لتتحول هنا إلى “جمهورية الظلام”.

تزخر الرواية بشخصيات متعددة من ضباط ومثقفين ومخبرين وأفراد عاديين، في بانوراما إنسانية تكشف تناقضات المجتمع.

وتتشابك مصائر هذه الشخصيات في مسارات متقاطعة، حيث يتحول الصراع من خارجي إلى داخلي، يتمحور حول الضمير بوصفه آخر ما تبقى للإنسان في مواجهة القمع.

سخرية تواجه النسيان

يعتمد حداد أسلوبًا يقوم على تشابك الحكايات وتوليدها، مع حضور واضح للسخرية السوداء التي تتصاعد تدريجيًا لتكشف عمق المأساة.

وعلى امتداد نحو 480 صفحة، يحافظ النص على إيقاع متدرج مدعوم بحوارات فكرية ومشاهد مكثفة، دون أن يفقد تماسكه السردي.

تنتمي “جمهورية الظلام” إلى ما يمكن اعتباره كتابة للذاكرة المضادة، إذ لا تكتفي بسرد الأحداث بل تسعى إلى تفكيكها وإعادة قراءتها.

وبهذا العمل، يرسخ فواز حداد موقعه في الرواية العربية المعاصرة، مقدّمًا نصًا يجمع بين العمق الفكري والبناء الفني، ويؤكد قدرة الأدب على مقاربة أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية.

وقد صدرت الرواية عن دار رياض الريّس للنشر عام 2023.