من أبرز الإشكالات التي ما زالت تطبع النقاش السياسي حول سورية في المرحلة الانتقالية أن بعض المعارضين والناقمين دأبوا على التعامل مع السلطة الجديدة باعتبارها امتداداً لتنظيم داعش، نوعاً من الاستفزاز، متجاهلين الفوارق الجوهرية بين تنظيم عقائدي يقوم على هدم الدولة، وبين سلطة، مهما كانت الملاحظات عليها، تسعى إلى بناء دولة واستعادة وظائفها الأساسية. وهذا الخلط لا يقتصر على الوصف، بل ينعكس على طبيعة الأحكام السياسية والإعلامية، فيغدو أي خطأ عارض دليلاً على هوية مسبقة.
إن التشبيه بـ”داعش” ليس مجرد توصيف عابر، بل هو حكم سياسي وأخلاقي بالغ الخطورة، لأنه يفترض مسبقاً أن السلطة تحمل المشروع نفسه والوسائل نفسها والغايات نفسها. وإذا جاز انتقاد السياسات أو مساءلة المسؤولين عن أي تجاوزات، فالأحكام تبنى على تشبيه شامل يغلق باب الفهم، ويستبدل التحليل بتعمد الإدانة المسبقة.
إن التشبيه بداعش هو حكم سياسي وأخلاقي بالغ الخطورة
لقد دفعت سورية ثمناً باهظاً نتيجة التحريض والكراهية والتعميم طوال سنوات الحرب، ولذلك تحتاج هذه المرحلة إلى خطاب مختلف، يقوم على التمييز بين الوقائع والشائعات، وبين النقد السياسي المشروع والاتهامات المطلقة. فليس كل من ينتقد السلطة يسعى إلى الفوضى، كما ليس كل من يدافع عنها يبرر الأخطاء. إن بناء دولة مستقرة يتطلب مساحة للنقد المسؤول.
إن نجاح أي سلطة انتقالية لا يقاس بخلوها من الأخطاء، فهذا أمر غير واقعي، بل بقدرتها على تصحيح الأخطاء، ومنع تكرارها، وتعزيز سيادة القانون، وحماية جميع المواطنين بلا تمييز. أما اختزال التجربة من دون مراعاة اختلاف الأهداف والبنية والمؤسسات والسياق، فهو لا يساعد على فهم الواقع السوري، ولا يسهم في بناء مستقبل مستقر. إن النقد الرصين لا يقوم على المقارنات الصادمة، بل على الأدلة، والتمييز، والحرص على أن تكون الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، أقوى من افتعال الإثارة.
في الحالة السورية، هذه المعضلة واضحة. فهناك تيار من المعارضين استخدم وسائل التواصل منابر تروج أن السلطة الجديدة استمرار لتنظيم داعش، لا مجرد سلطة انتقالية تواجه إرث دولة منهارة. هذه المقاربة لا تقوم على تحليل طبيعة السلطة ووظيفتها، بل على تعمد إسقاط صورة ذهنية جاهزة عليها، بحيث تصبح كل حادثة دليلاً على صحة التصنيف المسبق.
إن الخطأ في هذا المنهج يتقصد الخلط بين مفهوم الدولة والجماعات العقائدية المغلقة التي مهما كانت مرجعياتها تنطلق من فكرة احتكار الحقيقة، بينما تقوم الدولة، بحكم تعريفها، على إدارة مجتمع متعدد المصالح والانتماءات. وحتى في حال وصول جماعة ذات خلفية أيديولوجية إسلامية إلى الحكم، فإنها تدخل في منطق مختلف تفرضه مؤسسات الدولة، والإدارة، والاقتصاد، والعلاقات الخارجية، وموازين القوى الداخلية. ومن هنا فإنها ينبغي أن تُقيَّم انطلاقاً من كيفية أدائها وظيفة الدولة، لا من تاريخ ما قبل الدولة.
هذا لا يعني أن السلطة تتحول تلقائياً إلى سلطة ديمقراطية، وإنما يعني أن موضوع التقييم قد تغير. فالسؤال لم يعد: ماذا كانت هذه الجماعة تقول قبل سنوات؟ بل أصبح: كيف تدير الدولة؟ وما السياسات التي تعتمدها، وهل تتجه إلى بناء المؤسسات، وكيف؟ وهل توسع دائرة المواطنة أم تضيقها؟ وهل تجعل القانون مرجعيتها أم تستبدله بإرادة القوة؟
وهناك الكثير من الأسئلة الصحيحة.
-
المصدر :
- العربي الجديد