هل يمكن تفسير الموقف السلبي أو المتحفّظ لدى بعض أطياف المعارضة السورية تجاه أولوية بناء الدولة؟ لا تتعلق المسألة فقط بالخلاف حول من يحكم، بل حول معنى الدولة نفسها، وما إذا كانت تُبنى أولاً بوصفها ضرورة واقعية، أم بوصفها تجسيداً لأفكار أيديولوجية مسبقة.

برأي الكثيرين، أحد الأسباب الأساسية للخلاف أن جزءاً مهمّاً من المعارضة عاش سنوات طويلة في الخارج، في بيئات مستقرة نسبياً، حيث تبدو الدولة أمراً مفروغاً منه. هذا ما يجعل الأمر مختلفاً بالنسبة لهؤلاء الذين يعيشون داخل مجتمع منهار، وسط اقتصاد مدمّر ومؤسسات متفككة وخدمات معطلة أو مشلولة إن لم تكن معدومة. هؤلاء يرون الأولوية في الأمن والكهرباء والخبز والمواصلات، والحد المعقول من الأمان. بينما الذين يعيشون بعيداً عن هذا الخراب اليومي، يميلون إلى النظر إلى المسألة السورية بوصفها سؤالاً سياسياً أو أخلاقياً أو أيديولوجياً قبل أن تكون سؤالاً وجودياً يتعلق بإعادة بناء شروط الحياة نفسها.

هذا ما يظهر نوعاً من الانفصال بين تصور إمكان الانتقال الفوري إلى نموذج مثالي للدولة، وبين واقع داخلي يفرض منطقه القاسي: لا دولة من دون مؤسسات، ولا مؤسسات من دون استقرار، ولا استقرار من دون قدر من البراغماتية والتدرّج والتسويات. هنا ينشأ سوء الفهم الكبير بين الداخل والخارج. فالداخل لا يطلب الكمال بقدر ما يطلب إمكانية العيش، بينما يرى بعض الذين في الخارج أن أي تنازل عن المثال الأيديولوجي هو خيانة للمبادئ.

ترتيب الأولويات يختلف حين تكون الدولة في طور الظهور

هناك أيضاً سبب نفسي ومعنوي. فالمعارضة التي عاشت سنوات طويلة في المنفى بنت هويتها حول فكرة “المعارضة” ذاتها، أي حول النقد والرفض والمواجهة، بمعنى أنها لا تستطيع إلا أن تعارض. لكن الانتقال من موقع الاعتراض إلى موقع بناء الدولة يتطلب عقلية مختلفة تماماً: عقلية الإدارة، والتسوية، وتحمل المسؤولية، والاعتراف بالتعقيد، والقبول بأن الدولة إدارة تناقضات. وإذا افترضنا أن مثالية المعارضة تجيد رفع الادعاءات بإسقاط الشرعية عن السلطة، لكن هل لديهم القدرة على إنتاج شرعية عملية بديلة قابلة للحياة؟

تنظر التيارات العلمانية واليسارية إلى السلطة الجديدة لا باعتبارها سلطة انتقالية تواجه انهياراً شاملاً، بل باعتبارها خصماً يجب إخضاعه لاختبار أيديولوجي دائم. لذلك يصبح التركيز على النقائص الفكرية للسلطة أكبر من التركيز على قدرتها الفعلية على منع الانهيار أو إعادة تشغيل الدولة. ما يحول السياسة إلى صراع بين نقيضين، بدل البحث عن كيفية إنقاذ المجتمع.

ومن الأسباب أيضاً، أن الخارج غالباً ما يعيش ضمن شبكات إعلامية وحقوقية وإنسانية تجعل الخطاب أكثر راديكالية وتجريداً. فالنقاش هناك يدور حول الديمقراطية الكاملة، والعدالة المثالية، وتمثيل الهويات، وصياغات الدساتير، بينما الداخل يصطدم يومياً بأسئلة أكثر بدائية: كيف تُدفع الرواتب؟ كيف يُضبط السلاح؟ كيف يُمنع التفكك؟ كيف يعود النازحون إلى بلداتهم؟ كيف يصان الأمن؟ أغلبها عن كيف؟ كذلك لا يمكن تجاهل عوامل الشك وانعدام الثقة. فسنوات الاستبداد الطويلة جعلت كثيرين يخشون من أن تتحول دعوى أولوية بناء الدولة إلى ذريعة لتأجيل الحقوق والحريات إلى أجل غير معروف. وهذا لا يعني أنها قضايا غير مهمة، بل يعني أن ترتيب الأولويات يختلف حين تكون الدولة نفسها في طور الظهور.