الملاحظ في الجدل السياسي السوري، سواء داخل البلاد أو في أوساط السوريين في الخارج، أن جزءاً كبيراً من الخطاب المعارض بات يدور حول استعراض الأيديولوجيات أكثر مما يدور حول فهم الواقع والتعامل معه. فبدلاً من أن تكون السياسة محاولة لفهم المجتمع كما هو، والعمل على تحسين شروط حياته وإدارة تناقضاته، تتحول إلى ساحة لإثبات صحة الأفكار المتشبث بها.

الأيديولوجيا ليست شراً في ذاتها. من الطبيعي أن يمتلك الإنسان منظومة قيم ومبادئ توجه رؤيته للعالم. المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى عين وحيدة يرى من خلالها كل شيء. عندها لا يعود الواقع مصدراً للمعرفة، بل يصبح مجرد مادة تُنتقى منها الشواهد التي تؤكد صحة ما يطرح وفق التصور الأيديولوجي.

في الحالة السورية تبرز هذه الظاهرة بوضوح. فبعد سنوات طويلة من الصراع والانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي والهجرة الواسعة، يفترض أن يكون السؤال الأساسي: كيف يمكن تأمين الحد الأدنى من الاستقرار والعدالة والعيش الكريم؟ لكن سرعان ما ينزلق هذا الجدل إلى معارك أيديولوجية حول الهوية والعلمانية، الدين والليبرالية، القومية وغيرها من العناوين الكبرى. وهي قضايا مهمة بلا شك، لكنها تتحول أحياناً إلى بديل عن مواجهة التحديات الملموسة التي يعيشها الناس.

معيار الحكم على أي خطاب سياسي هو مقدار ما يضيفه من معرفة بالواقع

لا تحتاج المجتمعات الخارجة من الحروب إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى مزيد من المعرفة. تحتاج إلى دراسات عن الاقتصاد والتعليم والقضاء والإدارة المحلية وإعادة الإعمار والهموم الاجتماعية. تحتاج إلى فهم ما جرى للناس خلال سنوات العنف، وكيف تغيرت قيمهم ومخاوفهم وتوقعاتهم. فالسياسة الناجحة لا تُبنى على ما نتمناه للمجتمع، بل على ما يتطلب فعله على الأرض.

ولعل أحد أسباب هيمنة الخطاب الأيديولوجي، إذا أزحنا جانباً الأحقاد والضغائن والعداوات ومشاعر الهزيمة، هو أن المعرفة بالواقع عمل شاق ومعقد. فهي تتطلب الإصغاء إلى الآخرين، والاعتراف بالحقائق المزعجة. أما الأيديولوجيا فتقدم إجابات جاهزة ومريحة. إنها تمنح صاحبها شعوراً باليقين في عالم مليء بالشكوك. ولذلك نرى أحياناً أن بعض المعارضين يتحدثون عن المجتمع أكثر مما يستمعون إليه، ويتحدثون باسم الناس أكثر مما يحاولون فهمهم. في حين تتشكل داخل المجتمع السوري أولويات مختلفة تتعلق بالأمن والعمل والخدمات وإعادة بناء الحياة الطبيعية. نرى أجزاء من المعارضة تنظر إليها من خلال نماذج نظرية أو تجارب مستعارة من بلدان أخرى، فتتسع الفجوة بين الخطاب والواقع، ما يفقد الخطاب قدرته على التأثير مهما بدا متماسكاً من الناحية النظرية.

لا يمكن تغييب الأيديولوجيا، هذا أمر مستحيل وربما غير مرغوب فيه. لكن ماذا عن أيديولوجيا أكثر تواضعاً، تدرك حدودها، وتقبل أن تتعلم من الواقع بدلاً من فرض نفسها عليه؟ لا تعني المعرفة امتلاك المعلومات فقط، بل امتلاك القدرة على مراجعة المواقف وتعديلها عندما تظهر حقائق جديدة.

إن المعيار الأهم للحكم على أي خطاب سياسي هو مقدار ما يضيفه من معرفة بالواقع، لا مقدار ما يقدمه من يقين أيديولوجي. فحين تصبح الأيديولوجيا غاية بحد ذاتها، تتحول السياسة إلى استعراض للمعتقدات. أما حين تصبح وسيلة لفهم الواقع، فإنها تستعيد معناها الحقيقي بوصفها فناً لإدارة الممكن، لا حلماً دائماً بالمثال المستحيل.