أخطر ما يمكن أن يحدث في المرحلة الانتقالية، هو أن يفقد المجتمع الثقة بإمكان قيام الدولة، عندها يصبح الناس مستعدين للقبول بأي معارضة وأي تغيير، وإن كان يعيد النظام السابق، حتى لو كان استبدادياً، لأن الخوف من الفوضى وعدم الأمان غالباً ما يهزم التطلع إلى الحرية. لهذا فإن نجاح أي مرحلة انتقالية لا يعتمد فقط على إسقاط النظام السابق، بل إثبات أن النظام الجديد قادر، ولو ببطء، على إنتاج حياة قابلة للاستمرار.
تستدعي الضرورة التمييز بين معارضة تريد التصحيح ومساءلة السلطة ضمن إطار الحفاظ على الدولة، ومعارضة أو شبكات تعمل فعلياً على تدمير إمكان قيام الدولة. هذا التمييز لا يُحسم بالشعارات، بل بالسلوك العملي من ناحية هل تسهم القوى المختلفة في الاستقرار النسبي أم تدفع نحو الفوضى وربما الانهيار؟ هل تعترف بالحاجة إلى بناء المؤسسات ولو تدريجياً، أم تتعامل مع كل مؤسسة بوصفها عدواً؟ هل تتصيد الأخطاء وتكتفي بتغذية الغضب أم تقدم بدائل واقعية؟
ما يُخشى هو تورط المعارضات في الفوضى بحيث لا يهمها شرخ المجتمع، عندما تتعمد الدخول في عملية إنهاك مستمر للسلطة الجديدة اعتقاداً منها أن سقوطها سيخلق فراغاً يمكنها ملؤه سياسياً، تحت تأثير اعتقاد أن إضعافها قد يفتح لها باب الشراكة أو السيطرة، لكنها ستكتشف لاحقاً أن الفراغ لا تملؤه النخب الفكرية أو الأحزاب الضعيفة تنظيمياً، أو التي لم تتشكل بعد.
لا نبالغ في مخاوفنا، إذا اعتقدنا بتوافر إمكانية إسقاط النظام الجديد، في حال تعاضد قوى معارضة مع أطراف تطمح إلى الانفصال عن الدولة، وخاصة مع توافر أجندات خارجية موجودة في الأدراج، جاهزة لتوضع على الطاولة، في حال ساعدتها تحركات خاطئة، ما سيحرم المعارضة قصيرة النظر مما تطمح إليه، وتكون الأولوية لهؤلاء الطامعين بتحويل سورية إلى مقاطعات صغيرة وإمارات ومناطق نفوذ لكل جماعة من بقايا النظام القديم، وجماعات المصالح من القوى الخارجية، ومليشيات تُشكل في الداخل، أو تُستدعى من الخارج، يساندها ويمولها أعوان السلطة القديمة الطامحة للعودة؛ النتيجة الفعلية لن تختلف عما تريده هذه القوى، الفوز بسورية منهكة وممزقة.
تفتح اللادولة الباب أمام حروب طويلة وانهيارات يصعب تداركها
هذا الاحتمال قد ورد تاريخياً في كثير من المراحل الانتقالية، خصوصاً في الدول الخارجة من الحروب والانهيارات الكبرى، لن يؤدي إسقاط السلطة الهشة إلى انتقال أفضل، بل إلى تفكك مركز الدولة نفسه. وعندما ينهار المركز، لا ترثه المعارضة المدنية أو النخب السياسية عادة، بل القوى الأكثر تسليحاً وقدرة على فرض الأمر الواقع. وجماعات تبدأ بالبحث عن حماية خارجية. ما يجعل من الصعب جداً إعادة تجميع البلاد لاحقاً. ولن تعود البلاد إلا مناطق نفوذ متنافسة، عبارة عن جماعات محلية، وقوى عسكرية، تدعمها تدخلات إقليمية، وربما سلطات أمر واقع متناحرة.
إن الرهان الحقيقي في الحالة السورية ليس على الانتصار السياسي الكامل لأي طرف، بل على منع التحول إلى حالة تفكك تؤدي إلى تحلل. إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد كل هذا الخراب هو الانتقال من اللادولة إلى الاستبداد المنقذ، ومن السخرية أنه رغم قسوته، يُبقي شكل الدولة قائماً، أما اللادولة فتفتح الباب أمام حروب طويلة وانهيارات يصعب تداركها.
-
المصدر :
- العربي الجديد