أكثر ما يثير الحزن أنّ بعض المثقفين المطمئنين في بلدان اللجوء الباحثين عن الشهرة في بلدانهم، لم يدركوا بعد، أنهم يعيدون إنتاج إحدى آليات الاستبداد. فالنظام الدكتاتوري كان يتعيَّش خلال الثورة على صناعة رواية الإرهاب، بينما النسخة المعاد تدويرها، تقوم على الإثارة الدائمة بإشاعة حوادث القتل والاختطاف والسبايا، إذ لا قيمة للحقيقة. وفي جميع الحالات تصبح الوقائع رهينة المبالغات، والمواطن العادي رهينة الأكاذيب.

ترك الاستبداد وراءه إرثاً ثقيلاً من الكراهية والخوف وانعدام الثقة. المفترض أن تكون المرحلة التالية مرحلة ترميم، لا مرحلة تمزيق جديدة. الترميم لا يعني التستر على الأخطاء، بل وضعها في حجمها الحقيقي. فإذا أخطأ مسؤول يُحاسب، وإذا قصّرت مؤسسة تُصلح، وإذا وقعت جريمة تُلاحق قضائياً، وإذا حدث اختطاف ينكشف أمره. أما تحويل كل حدث إلى معركة كبرى، وكل خطأ إلى نهاية العالم، من دون ثبوت صحته، ليس إلّا استنزافاً للمجتمع وإهدار لطاقته في وقت يحتاج فيه إلى البناء.

إنّ الضحية الأولى لهذا السلوك ليست السلطة أو المؤسسات، بل المجتمع نفسه. الناس الذين يحتاجون إلى الأمل يُدفعون نحو اليأس. والذين يحتاجون إلى الثقة يُدفعون نحو الشك. والذين يحتاجون إلى التماسك يُدفعون نحو الانقسام. وهكذا يتحول الفضاء العام إلى ساحة قلق دائم، لا مكان فيها للتفكير الهادئ أو الحوار أو البحث عن حلول.

لعلّ ما يجب تذكره دائماً هو أن المجتمع الذي عاش خمسين عاماً تحت القهر لا يمكن أن يشفى في أشهر أو سنوات قليلة. التعافي عملية طويلة ومؤلمة. إنها تتطلب نقداً شجاعاً، وقدراً لا يستهان به من المسؤولية الأخلاقية. وبالضرورة أشخاص يسألون: هل ما أقوله يساعد المجتمع على الفهم أم يدفعه إلى الهلع؟ هل أبحث عن الحقيقة أم عن الشهرة؟ هل هدفَي الإصلاح أم الانتصار اللحظي في معركة عابرة على وسائل التواصل؟

المفارقة أن بعض هؤلاء الناشطين يظنون أنفسهم مدافعين عن العدالة، بينما هم في الواقع يسهمون في إضعافها. فالعدالة تحتاج إلى وقائع دقيقة، وإلى تمييز بين الخطأ والجريمة، بين التقصير والخيانة، بين الفشل البشري الطبيعي والفساد المتعمد. أما حين تختفي الفروق، ويصبح كل شيء صالحاً لنشر الفضائح، فإنّ المجتمع يفقد قدرته على الحكم العقلاني، ويغرق في الانفعالات والادعاءات المتبادلة، وهو الهدف المطلوب على سبيل المثال من الظهور في مقابلة توجه فيها الاتهامات بالصراخ، فالتمثيل يتطلب تقمص دور سقيم، ينجح في التحريض.

كيف نمنع أنفسنا من التحوّل إلى أعداء لبعضنا بعضاً بعد التحرير؟

إنّ الحزن الذي نشعر به مفهوم، ليس الحزن على الماضي الذي هدره الاستبداد فحسب، بل الخوف على المستقبل. ومثلما يعلمنا التاريخ أنّ المجتمعات لا تُبنى بالفرقة، يعلمنا أن هناك في النهاية، يبقى أثر للذين يعملون من أجل العدالة والمصالحة والبناء، أعمق من أثر الذين يقتاتون على افتعال ترندات الضجيج. وقد يكون التحدي الحقيقي في المرحلة الانتقالية ليس إسقاط ما خلفه الطغيان، بل مقاومة كل السلوكيات التي تهدد بإعادة إنتاج الخراب بأشكال جديدة.

بعد التحرير، لا يكون السؤال الأهم: كيف نختلق أعداء؟ بل كيف نمنع أنفسنا من التحوّل إلى أعداء لبعضنا بعضاً؟ وهذا سؤال أصعب بكثير، لكنه السؤال الذي يحدد مصير المستقبل كله.