في رواية «المترجم الخائن» لا يمشي فواز حدّاد إلى الترجمة كما يمشي موظفٌ إلى مكتبه، ولا يفتح باب اللغة كما تُفتح نافذةٌ على حديقة مألوفة. إنه يدخل إلى مغارةٍ من الحروف، إلى قبوٍ تتناسل فيه الكلمات ككائناتٍ عمياء، لكلّ كلمة نابٌ مخبوء، ولكلّ جملةٍ ذيلٌ يضرب في عتمة المعنى. الترجمة هنا ليست جسرًا بين ضفتين، بل حبلٌ مشدود فوق هاوية؛ والمترجم ليس ساعي بريد بين لغتين، بل بهلوانٌ تسأله الريح عن اسمه في اللحظة التي يفقد فيها توازنه.
من العنوان وحده تبدأ المذبحة الهادئة: المترجم الخائن. أيُّ خيانةٍ هذه؟ خيانةُ الحرف أم خيانةُ الروح؟ خيانةُ الأصل أم خيانةُ النسخة؟ ومن قال إن الأصل بريءٌ إلى هذا الحدّ حتى نمنحه تاج الضحية؟ إن النصّ، ما إن يولد، حتى يشرع في خيانة كاتبه، ثم يأتي المترجم ليخون الخيانة الأولى بخيانةٍ ثانية، أرقى أو أشدّ إيلامًا. وما الترجمة، في جوهرها العميق، سوى أن نأخذ كائنًا لغويًا من تربته الأولى، نغسل عنه غبار الميلاد، ثم نزرعه في تربةٍ أخرى، عارفين أن رائحته ستتبدّل، وأن جذوره ستتلعثم، وأن ثمرةً غريبة ستطلع من غصنه.
حامد سليم، المترجم، لا يظهر في الرواية بطلًا تراجيديًا يلمع في العاصفة، ولا قديسًا تذبحه جماعةٌ جاهلة. يظهر رجلًا عاديًا، وربما كانت عاديته هي الفخّ الأكبر. رجلٌ يمشي في شوارع دمشق كما يمشي المرء داخل رأسه؛ يقطع الأرصفة، يقرأ عناوين الصحف، يلاحق ظلّه، ويظن أن الكلمات تنتظره على الطاولة كما تنتظر السكاكين يدَ الجزّار. لكن الكلمة لا تنتظر أحدًا. الكلمة، في هذه الرواية، كائنٌ مراوغ، إذا اقتربتَ منه انزلق، وإذا أمسكتَ به عضّك، وإذا وضعته في جملةٍ خرج من النافذة وترك لك قشرته.
الرواية لا تدافع عن المترجم دفاعًا خطابيًا فقيرًا. إنها لا ترفع له راية البراءة كما ترفع المحاكم أوراقها. بل تدخله في غابة من الشبهات، وتتركه هناك، بين الأشجار التي لها ألسنة، وبين النقاد الذين يقطعون الكلام كما يقطع القصّابون اللحم. حامد سليم ليس نقيًا إلى درجة الملائكة، ولا مذنبًا إلى درجة الشياطين. إنه ذلك الكائن الرمادي الذي تكرهه الثقافات الكسولة، لأنها لا تحتمل الرمادي، ولا تحسن الإصغاء إلى المنطقة الواقعة بين الصواب والخطأ، بين الجناية والاجتهاد، بين السهو والخديعة.
هنا تبلغ الرواية قوتها: إنها تجعل من الترجمة مسرحًا لمحاكمة الوسط الثقافي كلّه. الصحافي يدخل وفي يده مطرقة من ورق. الناقد يأتي متدثرًا بوقارٍ كاذب، وفي جيبه ضغائن صغيرة. الناشر يزن الأدب بميزان السوق، والكاتب يراقب صورته كأرملةٍ تراقب مرآتها، والقارئ، ذلك الملك المسكين، يُساق إلى الحكم قبل أن يتعلّم كيف يقرأ. وفي هذه الدوامة لا يعود السؤال: هل خان المترجم النص؟ بل يصبح السؤال: من لم يخن هنا؟ من لم يخن المعنى؟ من لم يخن القراءة؟ من لم يخن اللغة حين جعلها أداة عقاب؟
إن فواز حدّاد، في هذه الرواية، لا يكتب عن الترجمة كما يكتب أهل الندوات عن فضائل التواصل بين الشعوب. إنه يكتب عن الترجمة كمرضٍ نبيل، كحمّى، كعقوبةٍ يفرضها الأدب على من أحبّه أكثر مما ينبغي. فالمترجم لا ينقل الكلمات فحسب؛ إنه يحمل على كتفيه ظلالها، رائحتها، ارتباكها، عجزها، ما قالته وما لم تستطع قوله. وحين يصل إلى اللغة الثانية، لا يجد بابًا مفتوحًا، بل يجد حراسًا: النحو، الذائقة، الإيقاع، الذاكرة، العادة، الخوف من الخطأ، وخوفٌ أشدّ منه: أن يكون وفيًا فيقتل النصّ، أو أن يكون حرًّا فيُتّهم بالخيانة.
يا لهذه المفارقة المرة: أن تكون الترجمة أمانةً لا تتحقق إلا بشيءٍ من الخيانة. فالمترجم الذي يلتصق بالحرف قد يخون الروح، والذي يطارد الروح قد يجرح الحرف. إن النصّ الأصلي ليس صنمًا من حجر، بل جسدٌ يتنفس، وكلّ تنفسٍ يحتاج إلى هواء اللغة الجديدة. لذلك فإن الأمانة المطلقة كذبة جميلة، والخيانة المطلقة كذبة قبيحة، وبين الكذبتين يمضي المترجم، حاملًا مصباحًا ضعيفًا في ليلٍ لا يريد أن ينتهي.
الرواية، في نواتها الخفية، ليست رواية عن مترجم وقع في ورطة، بل عن مجتمع ثقافيّ يحبّ المقاصل أكثر مما يحبّ المعاجم. مجتمع يسرع إلى التهمة كما يسرع العطشان إلى الماء، ويجد في إسقاط الآخر لذةً تشبه لذة الصياد حين يرى الطائر يهوي. فالوسط الثقافي هنا لا يظهر كحديقة أفكار، بل كسوقٍ تتصادم فيه الأناوات، وتتخفى فيه الأحقاد وراء البلاغة، وتلبس الغيرة قناع النقد، ويتحول الدفاع عن الأدب إلى شكلٍ مهذب من الاغتيال.
ومع ذلك، ليست الرواية مرثيةً للمترجم وحده. إنها مرثية للمعنى حين يقع بين أيدٍ لا تعرف الرحمة. مرثية للقراءة حين تفقد بطأها النبيل. مرثية للثقافة حين تصبح نشرة اتهام. ومرثية للكلمة حين تُسحب من بيتها الأول وتُرمى في ساحة عامة، حيث يتزاحم حولها من لم يسمعوا أنينها وهي تنتقل من لغة إلى أخرى.
إن «المترجم الخائن» رواية عن تلك الخيانة التي لا مهرب منها، الخيانة التي تسكن كلّ كتابة، وكلّ قراءة، وكلّ ترجمة. فالكاتب يخون العالم حين يحوّله إلى كلمات، والقارئ يخون النص حين يفسّره، والمترجم يخون الاثنين معًا حين يمنحهما حياةً أخرى. لكن أليست الحياة نفسها خيانةً مستمرة للأصل؟ ألسنا، منذ ولادتنا، نسخًا متغيرة من معنى غامض لا نعرفه؟
لذلك لا يخرج القارئ من هذه الرواية وفي يده حكمٌ جاهز، بل يخرج وفي داخله محكمةٌ قلقة. يتساءل: أكان المترجم خائنًا حقًا؟ أم كان الضحية الوحيدة لأنه وقف في النقطة التي تتقاطع فيها اللغات، وتتبادل فيها الثقافات سكاكينها؟ وربما كان الجواب أن الخيانة الكبرى ليست في أن يخطئ المترجم، بل في أن يُحاكم الخطأ كما لو كان جريمة، وأن يُنسى الجهد، والسهر، والقلق، والبحث، والتردد، والتراجع، وكلّ تلك الجحيم الصغيرة التي لا يراها أحد حين يقرأ جملةً مترجمة ويظنها جاءت إلى الصفحة سهلةً، مطيعةً، بلا دم.
هكذا تبدو رواية فواز حدّاد عملًا عن الترجمة، لكنها في العمق رواية عن العدالة. عن عدالة القراءة قبل عدالة الحكم. عن حقّ اللغة في أن تُفهم قبل أن تُدان. عن هشاشة المبدع حين يقع بين أنياب جماعة لا تحبّ التأمل، بل تحبّ الفضيحة. وعن المترجم، هذا الكائن الذي يقف دائمًا في الخلف، حتى إذا حدث خللٌ صغير دُفع إلى الواجهة مثل متهمٍ بلا محامٍ.
«المترجم الخائن» رواية تقول، بمرارةٍ عالية: قد تخون الكلمةُ حين تنتقل، لكنها تخون أكثر حين تبقى سجينة. وقد يخون المترجم حين يغيّر، لكنه يخون أكثر حين يظن أن الحرف وحده يكفي لإنقاذ الروح. أما الخيانة الأشدّ فليست خيانة الترجمة، بل خيانة القراءة؛ حين نقرأ بلا محبة، ونحكم بلا معرفة، ونرفع باسم الأدب مشانق صغيرة لا تصلح إلا لقتل الأدب نفسه.