تدخل رواية «موزاييك دمشق 39» لفواز حداد إلى دمشق من بابها الأشد حسّية: لا من باب الوقائع الكبرى وحدها، ولا من باب التاريخ المدرسي الذي يختصر المدن في تواريخ ومعاهدات ورجال سياسة، بل من باب الرائحة والصوت والحجر والضوء والوجوه العابرة. منذ الصفحات الأولى، لا تبدو دمشق مكاناً محايداً تجري فيه الحكاية، بل كائناً حيّاً، ينهض من الدرويشية، وسوق مدحت باشا، والبزورية، والحميدية، والمرجة، ومحطة الحجاز، كأن المدينة لا تُروى إلا إذا أعيد تركيبها قطعة قطعة، مثل فسيفساء مكسورة تلمع شظاياها تحت شمس التاريخ وغبار الذاكرة.
العنوان نفسه مفتاح قراءة الرواية. فـ«الموزاييك» هنا ليس زينة شكلية، ولا استعارة عابرة، بل بنية عميقة تتحكم في السرد. الشخصيات شظايا، الأزمنة شظايا، الأمكنة شظايا، والحب نفسه لا يظهر بوصفه حكاية مستقيمة، بل كأثر مبعثر، كصورة ناقصة، كصوت يأتي من وراء ستارة الزمن. إن فواز حداد لا يكتب رواية عن دمشق سنة 1939 فقط، بل يكتب عن مدينة يتجاور فيها العشق مع السياسة، والانتداب مع الذاكرة، والأسواق مع القصور، والفرنسي مع الدمشقي، والظاهر مع الخفي، والحلم مع الرغبة المستحيلة.
تبدأ الرواية بمشهد يكاد يكون سينمائياً: عربة خيل تتباطأ في قلب دمشق القديمة، أصوات الحوافر تختلط بنداءات الباعة، جرس الترام يعبر الذاكرة، روائح الشواء والغراء والجلد المدبوغ تملأ المكان، وسوق البزورية يفتح أبوابه ككهف معطر بالتوابل والأعشاب والأسرار. هنا يعلن الكاتب منذ البداية أن المدينة لن تُقدَّم بوصفها خلفية، بل بوصفها بطلة روائية. دمشق ليست مرسوماً جغرافياً، بل جسدٌ من الروائح والأصوات والظلال؛ مدينة تلتصق بالحواس قبل أن تدخل العقل.
في قلب هذه الفسيفساء تقف «ست الشام»، وهي لا تبحث عن رجل فحسب، بل تبحث عن زمن ضائع. الرجل الذي لمحته مصادفة في صباها، ثم ظل يتردد في داخلها، يصبح أكثر من حبيب محتمل؛ يصبح سؤالاً عن المصير، وعن المعنى، وعن تلك الأشياء التي لا تحدث ولكنها تظل أقوى مما حدث. إن عشق ست الشام ليوسف سرحان ليس عشقاً بالمعنى التقليدي، بل هو عشق للصورة الأولى، لذلك الوميض الذي لا يكتمل، والذي كلما ابتعد في الزمن ازداد حضوراً في الروح. ولهذا تلجأ إلى العطار، لا لأنها تؤمن بالخرافة وحدها، بل لأن العقل العادي لم يعد يكفي لفك عقدة القلب.
مشهد العطار من أجمل مفاتيح الرواية وأشدها دلالة. فالطقس الغرائبي، بما فيه من بخور وطاسة وحبر وأدعية وأصوات غامضة، لا يأتي للتزيين الشرقي أو لإثارة الدهشة السهلة، بل ليؤدي وظيفة سردية وفلسفية في آن واحد. إنه يفتح باب الذاكرة. فالجن، في هذا السياق، ليسوا مجرد كائنات من عالم الغيب، بل هم وسطاء بين الحاضر والماضي، بين ما عرفته ست الشام وما لم تعرفه، بين الصورة والاسم، بين العابر والمقيم. ومن خلال هذا المشهد تخرج الحكاية من خطيتها، وتدخل في زمن دائري، حيث يستعيد القلب ما لم يملكه، وتعود النظرات القديمة أكثر حياة من الأيام الحاضرة.
يوسف سرحان، في المقابل، ليس مجرد رجل غائب تبحث عنه امرأة. إنه شخصية ممزقة بين دمشق وباريس، بين الشرق والغرب، بين الأب والذات، بين الذاكرة والرغبة، بين الزواج المفروض والحب المفتوح، بين واجب الانتماء وإغراء الحرية. أرسله الأب إلى باريس ليتعلم لغة الفرنسيين ويفهم عالمهم، لكنه عاد من هناك محملاً بأزمة أعمق: كيف يمكن أن يحب الإنسان بلغة، وينتمي إلى ذاكرة بلغة أخرى؟ كيف يستطيع أن يكون ابن دمشق وتلميذ باريس في الوقت نفسه؟ وكيف يتعامل مع فرنسا التي منحته المعرفة، وهي نفسها القوة التي تحاصر وطنه وتفرض عليه الانتداب؟
هذه المفارقة من أقوى ما في الرواية. ففرنسا ليست صورة واحدة. هناك فرنسا الثقافة، الجامعة، الحب، الموسيقى، المقاهي، ماري تيريز، اللوكسومبورغ، وشوارع الحي اللاتيني؛ وهناك فرنسا السلطة، المفوض السامي، الجنود، البنادق، المعاهدة المؤجلة، والوعود المنقوضة. بين هاتين الصورتين يتوزع يوسف سرحان، فيدرك أن الاستعمار لا يسرق الأرض وحدها، بل يربك الروح، ويجعل اللغة نفسها موضع شك. فالفرنسية التي كانت أداة معرفة وفتنة، تصبح أيضاً لغة القهر والمراوغة السياسية.
ومن هنا تنفتح الرواية على سنة 1939 بوصفها عتبة تاريخية لا مجرد تاريخ. إنها سنة القلق السوري، سنة المعاهدة المعلقة، وسنة التوتر بين الوطنيين والفرنسيين، وسنة لواء اسكندرون، وسنة أوروبا المتجهة نحو الحرب. لكن فواز حداد لا يقدم هذا كله في صورة خطاب سياسي مباشر. إنه يترك السياسة تتسرب من الشوارع، من الهمسات، من المظاهرات، من المقاهي، من النوافذ المغلقة، من نظرات الموظفين، من الموكب الفرنسي وهو يمر في مدينة لا تستقبله بالفرح. السياسة هنا ليست بياناً، بل مناخ. إنها ثقل في الهواء، ارتباك في الحركة، خوف في النوافذ، وسخرية مريرة في الصمت.
وهذه إحدى براعات الرواية: أنها لا تفصل الخاص عن العام. حب ست الشام ويوسف لا يجري خارج التاريخ، كما أن التاريخ لا يطرد الحب من الرواية. إنهما يتداخلان كما تتداخل قطع الفسيفساء. امرأة تبحث عن رجل، ورجل يبحث عن نفسه، ومدينة تبحث عن استقلالها، وبلد يبحث عن معنى السيادة تحت ظلال الانتداب. كل حكاية شخصية في الرواية تحمل وراءها ارتجاجاً سياسياً، وكل واقعة سياسية تترك أثرها على الأجساد والبيوت والعلاقات.
النساء في الرواية لسن ظلالاً على هامش الرجال. ست الشام، أمينة، ماري تيريز، ومدام كورينا، كلهن يشكلن وجوهاً مختلفة للحضور الأنثوي. ست الشام هي الذاكرة العاشقة، أمينة هي القدر العائلي الصامت، ماري تيريز هي فتنة الغرب، ومدام كورينا هي العالم الكوزموبوليتي الذي دخل دمشق محملاً بالأسرار والمال والعلاقات والصفقات. عبر هؤلاء النساء، يرسم فواز حداد خرائط خفية للمدينة والعالم؛ فالسياسة لا تصنعها الوزارات وحدها، بل تصنعها أيضاً الغرف المغلقة، الأسرار الصغيرة، الرغبات، الخيانات، والنساء اللواتي يعرفن ما لا تقوله الصحف.
أما لغة الرواية فهي لغة مشغولة على مهل، كثيفة، حسية، مكتظة بالتفاصيل. قد يشعر القارئ أحياناً أنه لا يسير في رواية بقدر ما يعبر لوحة مزدحمة بالألوان والروائح والأشياء: الأقمشة، القيشاني، النراجيل، الطرابيش، العباءات، البخور، مرايا الصالونات، الدكاكين، العربات، أصوات المدقات، ومقاهي دمشق القديمة. غير أن هذه الكثافة ليست فائضاً زخرفياً، بل هي جزء من تصور الكاتب للعالم. فالتاريخ، في هذه الرواية، لا يُكتب من فوق، بل من الأشياء الصغيرة. الذاكرة لا تحفظ الخطب وحدها، بل تحفظ المنديل، الضحكة، الرائحة، طرف السوق، انعكاس الوجه على الزجاج، وارتعاشة النظرة الأولى.
لذلك تبدو «موزاييك دمشق 39» رواية مدينة بامتياز، لكنها لا تقع في فخ الحنين الساذج. دمشق هنا جميلة، لكنها ليست فردوساً. إنها مدينة طبقات، طبقة العائلات والبيوت الداخلية، وطبقة الأسواق والحرفيين، وطبقة السلطة والموظفين، وطبقة الغرباء، وطبقة العشاق المعلقين بين ما كان وما لم يكن. وهي أيضاً مدينة مأزومة، واقعة بين انتداب يتظاهر بالتمدين ويمارس السيطرة، ونخب وطنية تحاول أن تنتزع اعترافاً ناقصاً، وشعب يختبر معنى الكرامة في الشارع لا في النصوص الرسمية.
وربما كان أعمق ما تطرحه الرواية هو سؤال العلاقة بين الذاكرة والحرية. فالشخصيات لا تعيش في حاضر صافٍ؛ كل واحد منها مسكون بما سبقه. ست الشام أسيرة صورة قديمة. يوسف أسير أبيه وباريس ودمشق وماري تيريز وأمينة. المدينة نفسها أسيرة ماضيها العثماني، وحاضرها الفرنسي، ومستقبلها الذي لم يتضح بعد. كأن الرواية تقول إن الحرية لا تبدأ فقط حين يخرج المستعمر من البلاد، بل حين يستطيع الإنسان أن يفكك استعمار ذاكرته الخاصة أيضاً.
ومع ذلك، لا تتحول الرواية إلى أطروحة فكرية جافة. قوتها في أنها تفكر عبر السرد، لا فوقه. هي لا تشرح الحب، بل تتركنا نراه في ارتباك ست الشام. لا تشرح الاستعمار، بل تتركنا نسمعه في وقع الجنود وقرع الطبول والوعود السياسية. لا تشرح دمشق، بل تجعلنا نمشي فيها، نشمها، نسمع ضجيجها، ندخل أسواقها، ونرى كيف يتحول المكان إلى ذاكرة جماعية.
إن «موزاييك دمشق 39» رواية عن زمن متشظٍّ، لكنها مكتوبة برغبة في جمع الشظايا. وما يفعله فواز حداد هنا ليس استعادة دمشق القديمة على طريقة الصور السياحية، بل إعادة تركيبها بوصفها مسرحاً لامتحان الإنسان العربي الحديث: امتحان الحب، والهوية، واللغة، والسياسة، والحرية. في هذه الرواية، لا تعود دمشق مجرد عاصمة، بل مرآة كبرى يرى فيها القارئ وجوه العاشقين، والمهزومين، والحالمين، والمستعمرين، والباحثين عن معنى وسط عالم يتغير بعنف.
هكذا تصبح الرواية فسيفساء حقاً: قطعة من حب، قطعة من سياسة، قطعة من رائحة، قطعة من خيبة، قطعة من مدينة، قطعة من باريس، قطعة من دمشق، قطعة من امرأة لا تريد أن تنسى، وقطعة من رجل لا يستطيع أن يختار قلبه كاملاً. وعندما تكتمل هذه القطع، لا نحصل على صورة مريحة، بل على صورة مؤلمة وجميلة في آن واحد: صورة دمشق وهي تقف عند حافة التاريخ، تحمل في حجرها أسرار العشاق، وفي شوارعها وقع الجيوش، وفي قلبها ذلك السؤال القديم الذي لا يموت: كيف يمكن لمدينة محاصرة بالاحتلال والذاكرة أن تظل قادرة على الحب؟