أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي ثورة في سرعة تداول الأخبار، لكنها لم تنجح في أن تصبح بديلاً كاملاً عن الصحافة المهنية. إنها فضاء واسع لتبادل المعلومات والآراء، لكنها أيضاً فضاء خصب للتضليل والتلاعب. إن الاعتماد عليها وحدها للحصول على الأخبار بات يستدعي دائماً الحذر والتمحيص والعودة إلى المصادر قبل تبني رأي أو موقف.

لماذا لا يمكن اعتبار هذه الوسائل مصدراً موثوقاً للأخبار، مع أنها أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحداً من أهم مصادر المعلومات بالنسبة لملايين البشر. فالأخبار تصل إلى المستخدمين بسرعة هائلة. حتى أنه لم تعد هناك حاجة إلى انتظار نشرات الأخبار أو قراءة الصحف لمعرفة ما يحدث في العالم، مادامت لن تنشر إلا متأخرة أو في اليوم التالي.

إن الانتشار الواسع لهذه الوسائل وسرعة تداول الأخبار عبرها لا يعنيان بالضرورة أنها مصادر موثوقة للمعلومات. بل إن الاعتماد عليها بوصفها مصدراً رئيسياً للأخبار يطرح إشكالات عديدة تتعلق بالمصداقية.

أول أسباب عدم موثوقية وسائل التواصل الاجتماعي يتمثل في غياب آليات التحقق المهنية التي تعتمدها المؤسسات الصحفية التقليدية. ولنأخذ صحيفة “العربي الجديد” مثالاً على الصحافة والقنوات الإخبارية المحترفة، فهي تمتلك محررين ومراسلين وهيئات تدقيق ومراجعة، وتخضع لمعايير مهنية وقانونية تضعها تحت المحاسبة. أما وسائل التواصل الاجتماعي، فيستطيع أي شخص نشر معلومة أو صورة أو مقطع فيديو، من دون أن يكون ملزماً بتقديم أدلة أو إثباتات. وهكذا تنتشر الأخبار بسرعة قبل التحقق من صحتها، ومن المؤسف أن تكذيبها لاحقاً، غالباً ما يكون أقل تأثيراً بفعل ما أصابها من انتشار.

تقوم وسائل التواصل الاجتماعي على منطق الجذب وإثارة الانتباه، إذ إن هذه المنصات أصلا مصممة لزيادة التفاعل وعدد المشاهدات، ولذلك تميل إلى إبراز المحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الدهشة. وبما أن الأخبار الصادمة والإشاعات ونظريات المؤامرة تنتشر أحياناً أسرع من الأخبار الدقيقة والمتوازنة. فإن المستخدم قد لا تلفت اهتمامه المعلومات الأكثر صحة، بل المعلومات الأكثر قدرة على جذب انتباهه، عدا ما أصبح معروفاً عن قدرة الخوارزميات على معرفة اهتمامات المستخدم وميوله السياسية والفكرية، فتقدم له محتوى مشابهاً لما يفضله. ونتيجة لذلك، يجد الفرد نفسه محاطاً بآراء تؤكد قناعاته بدل أن تتحداها أو توسع أفقه. ومع مرور الوقت قد يظن أن رأيه هو الرأي السائد أو الحقيقة الوحيدة، لأنه لا يرى إلا ما ينسجم مع تصوراته المسبقة.

يصعب على المستخدم العادي التمييز بين المادة الحقيقية والمادة المزورة

من المشكلات الخطيرة أيضاً سهولة التلاعب بالمحتوى. فقد أصبح بالإمكان تعديل الصور والفيديوهات أو إخراجها من سياقها الأصلي لتقديم روايات مضللة. ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي بات إنتاج مقاطع مزيفة أكثر سهولة وإقناعاً. وفي كثير من الأحيان يصعب على المستخدم العادي التمييز بين المادة الحقيقية والمادة المزورة، خصوصاً عندما تكون منسجمة مع قناعاته أو مشاعره.

وبالنظر إلى أصحاب الحسابات الذين يمتلكون ملايين المتابعين ويؤثرون في الرأي العام، لا يعني على الاطلاق أن لديهم التزاماً بأخلاقيات النشر، وقد تدفعهم الرغبة في الشهرة أو الربح أو التأثير السياسي إلى نشر معلومات مجتزأة، أو غير دقيقة أو عارية من الصحة. لذلك أقل ما يمكن التنبيه إليه أنه لا يمكن الاطمئنان إليها.