استطاع السوريون الخلاص من نظام شمولي مارس عليهم القمع على مدار نصف قرن، تحرروا على أمل ألا يدخلوا في دورة أخرى، ومن أجل تصفية تلك المرحلة التي خلّفت عدداً هائلاً من المآسي، قد يبدو السؤال مشروعاً: هل النسيان ممكن؟ ما يخفف العبء على الحاضر. وهي فكرة معقولة من جانب، إن كشف الحساب والمحاسبة، والدعوة إلى عدم الغفران، قد يخلف ضحايا أبرياء.
ينصح محللون بآلية “تحديث الذاكرة”، تُعتمد بدافع الخوف من فتح جراح لم تلتئم، أو من زعزعة استقرار هش. وأحياناً بدافع المصلحة، حمايةً لأطراف متورطة، أو للحفاظ على توازنات سياسية. وأحياناً أخرى بدافع الهوية: إذ تميل الشعوب إلى تذكّر ما يعزز صورتها عن نفسها، وتجاهل ما يناقضها. في جميع هذه الحالات، يكون تحديث الذاكرة من خلال إيجاد مبررات، تستدعي التغاضي عن الحقيقة.
قد تنجح العملية، لكن مؤقتاً، سرعان ما تعود الحقائق لتطل برأسها، طالما هذه الشعوب ما زالت رغم التحرر، ترزح تحت حمولة تركة مثقلة بالضحايا، فالنسيان ليس حلاً، خاصة أنه يجعل المجتمعات أكثر عرضة لتكرار أخطائها.
يرتئي آخرون حل هذه المشكلة، بالتعويل على مرور الزمن، بالنظر إلى أن التاريخ لا حصانة له، يمكن استغلاله كالدين والثقافة، ذريعة لارتكاب الأخطاء والخطايا، أو ساحة لغسل الانتهاكات من الجرائم. أي تصور انتهاكات من دون اعتقالات وتغييب قسري، وسجون وتعذيب ومشانق، ومقابر جماعية.
تبدو العملية بسيطة، ما دام العمل عليها وارداً، من خلال إجراء عملية تبادل بين الماضي والحاضر، وذلك باستغلال انتهاكات الحاضر وجرائمه، مقابل نسيان انتهاكات الماضي وجرائمه، باعتبارها عملية مقايضة يجري التواطؤ عليها إحلالاً للسلم الأهلي. وذلك بخلخلة ذاكرة الماضي وتفريغها، والتلويح بدلاً عنها بذاكرة انتقائية على أنها ذاكرة جمعية.
يعلّمنا التاريخ، أن الذاكرة الجمعية لا تتشكل تلقائياً، بل تُبنى عبر صراعات سردية، وليس من خلال أطراف يتقاسمون أدواراً يسعى كل طرف فيها إلى تذكّر ما يخدم روايته، وإهمال ما يُربكها أو يدينها. في هذه الحالة، ليس أن الذاكرة غير بريئة، بل أداة ظالمة، لا تتورع عن تزييف التاريخ، فالمسعى إبراز ضحايا، وتهميش ضحايا؛ وتضخيم جرائم، لتعادل جرائم. وهكذا، لا يعود السؤال: ماذا يجب أن نتذكر؟ بل على أي نحو يجب أن نتذكر؟
الذاكرة الانتقائية ليست حلاً، بل فعل لا أخلاقي وعنف سياسي متعمد، يقترب من كونه جريمة ثانية تُرتكب بحق الضحايا. ذلك لأن الضحية، حين تتعرض للانتهاك، لا يُسلب منها جسدها فقط، بل يُسلب حقها في أن تكون لها قصتها، وأن يُعترف بمعاناتها، وهكذا تسلبها الذاكرة الانتقائية حقوقها، بطريقة أكثر دهاءً وخفاءً.
الانتقائية ليست مجرد سهو في التذكّر، بل هي شكل من أشكال العنف
فالانتقائية ليست مجرد نقص أو سهو في التذكّر، بل هي شكل متعمد من أشكال العنف. إنها تقتل الحقيقة، وتدفع إلى النسيان القسري. إن مقاومتها جزء لا يتجزأ من مقاومة الجريمة نفسها. لأن العدالة لا تبدأ بمحاكمة الجناة، بل باستعادة الذاكرة كاملة، ولا تأخذ بالحاضر على حساب الماضي، ولا بالعكس. في الصميم لا يقل هذا التمييز قسوة عن الجريمة الأصلية، لأنه يُعيد إنتاج الإقصاء ذاته الذي مارسه النظام القمعي، ولكن هذه المرة باسم ماذا؟
هل يمكن معالجة هذه الظاهرة بالدعوة إلى “ذاكرة شاملة” بشكل مجرد، ولو كان التذكّر نفسه عملية معقدة ومؤلمة، مع عدم التنازل عن ضرورة وجود معايير أخلاقية للذاكرة: معيارها الضحية، لا الانتماء؛ الحقيقة، لا المصلحة؛ العدالة، لا التوازنات المؤقتة. الذاكرة العادلة تساوي بين جميع الروايات، بفتح المجال لكل الشهادات، من دون إقصاء. بالعودة إلى الواقع الموثوق والمثبت. إن التعامي عن أية جريمة، ليس إلا غدراً بالضحايا.
ماذا نريد أن نتذكر؟ الضحايا جميعاً.
-
المصدر :
- العربي الجديد