قبل أيام، أصدر كير ستارمر بصفته رئيساً لوزراء بريطانيا قراراً بمنع الأولاد الذين تقل أعمارهم عن السادسة عشرة، من استخدام معظم منصات التواصل الاجتماعي الكبرى. يمثل القرار تحولاً كبيراً في السياسة البريطانية تجاه الإنترنت، على النقيض من سياساتها المدافعة عن الحريات، لذلك يمكن النظر إليه بوصفه بداية تحول أوسع في نظرة المجتمعات الغربية إلى السوشيال ميديا، تأثر العالم فيه قادم قريباً.

وكان في تصريح ستارمر، أن المنع كان بصفته أباً أيضاً، ما يدعم المبررات التي قدمها في حماية الصحة النفسية للأولاد، استناداً إلى تزايد الأدلة على ارتفاع معدلات: القلق، والاكتئاب، وتخلخل صورة الجسد، واضطرابات الأكل، وإيذاء النفس، خصوصاً لدى المراهقين. كما جرى الاستشهاد بشهادات لعائلات فقدت أبناءها أو عانوا من أزمات نفسية، جراء التحرّش الجنسي الإلكتروني، أو تعرّضهم للابتزاز والاستدراج من خلال التواصل مع بالغين مجهولين، نتيجة استخدام الأطفال المكثّف والمنفلت لها، من دون مسؤولية أو أية رقابة.

يؤكد المنع الحق في حماية الأطفال من منصات السوشيال ميديا. وهي نقلة مهمة جداً في هذا المجال، تهدف إلى استعادة الطفولة، طالما الأطفال يقضون جزءاً متزايداً من حياتهم داخل الشاشات، ما يجيز ضرورة العمل على إعادة التوازن بين الحياة الرقمية والحياة الواقعية.

نفقد سيطرتنا على أنفسنا، ونسلّم قيادنا واهتمامنا إلى المنصات

وإذا انتقلنا إلى الدائرة الأوسع من المجتمع، نجد أن النقاش كان يدور من قبل حول حرية وصول الأفراد إلى المنصات، باعتبارها أدوات للحرية والتواصل والمعرفة. أما اليوم فقد بدأ الاتجاه المعاكس بالظهور، من جانب الخشية من قدرتها على التأثير النفسي العميق، بالنظر إليها على أنها ظاهرة خطيرة، كمصانع للإدمان، تستفيد منها مؤسسات تجارية لترويج بضائعها، باستثمار اهتمام المستخدم بإبقائه أطول وقت ممكن أمام الشاشة، وبات من الطبيعي أن كثيراً ما نسمع من يقول لقد دخلت لأقرأ خبراً أو لأبحث عن شيء محدد، فإذا بي أضعت ساعة من الزمن بلا جدوى. بمعنى أننا نفقد سيطرتنا على أنفسنا، ونسلم قيادنا واهتمامنا إلى المنصات، حيث أصبح الإنسان شبه عاجز إزاء تأثيرها، بحكم عدم سيطرته على نفسه، ويتبدّى في متابعة “الريلز” ما يحيلنا إلى واقع التجربة الإنسانية، التي دلت مراراً على عدم السيطرة على قوة تأثير المال، أو السلطة والإعلام.

أصبح السؤال، هل يمكن للإنسان السيطرة على المنصات، كي يستخدمها على الوجه المفيد، أم أن هذا مستحيل؟ هذا سؤال مهم، لأن الإجابة عنه تحدد ما إذا كنا أمام قدر محتوم، أو أمام تحدٍّ يصعب التعامل معه، وهو ما يحدث فعلاً.

نحن ببساطة أمام وحش يفترس الوقت والاهتمام، وكأننا أمام فرانكشتاين العصر الجديد. ففي رواية “فرانكشتاين” كان الوحش كائناً واحداً، له جسد ووجه وصوت. أما وحش السوشيال ميديا والخوارزميات فليس له جسد، ولا مركز واحد، ولا إرادة واحدة. إنه منظومة هائلة من التقنيات والشركات والمصالح الاقتصادية والعادات النفسية البشرية.

إذا كان من الخطأ الاعتقاد أن الإنسان يستطيع استخدامها بحرية كاملة من دون أن تؤثر فيه، فكذلك من الخطأ الاعتقاد أن الإنسان مشلول التفكير إزاءها. الحقيقة تقع بين هذين الطرفين. بالتالي ما دام من المستحيل التخلي عنها، يجب العمل على إرساء تقاليد، ووضع حدود وآداب وقواعد تقلل من أضرارها.