فواز حداد: روائي سوري بارز، تخصص في تشريح بنية الاستبداد عبر الرواية السياسية وتوثيق التحولات الكبرى في المجتمع السوري. من أعماله “السوريون الأعداء” و”عزف منفرد على البيانو”،
ـ عاصرتَ تحولات كبرى في المجتمع السوري؛ كيف أعادت الحرب وما رافقها من خراب تشكيل أولوياتك الأدبية وموضوعاتك الروائية؟
لم يكن من المعقول خلال أربعة عشر عاماً أن تمر الثورة والحرب وكأنها لم تكن، فقد فرضت الحرب أسئلتها، ولم يكن من الممكن تجنب أسبابها، ولا لماذا كانت الثورة وعن ماذا تداعت؟ ما عاد بنا إلى نصف قرن من الاستبداد وما استجرّه من تدمير حثيث في المجتمع، لم ينجُ منه أحد، ولم تعد هناك حصانة لإنسان حتى ولو لم يرتكب خطأً. كان السوريون مهددين في أي وقت، فالخوف كان سارياً، على الرغم من الحذر سواء بالكلام أو الأفعال. انعكس ذلك على الثقافة التي باتت أداة لترويض المثقفين، ولم يعد غريباً أن يتحول بعضهم إلى أبواق تبرر الإجراءات الظالمة للنظام الشمولي، وأصبحوا جهاز رقابة نشطاً في الوسط الثقافي؛ في حال صدور كتاب أو رواية أو حتى مقال يسارعون -من قبيل الولاء- إلى التبرع لتشويه العمل، إن لم يكن لمصادرته. هؤلاء كانوا حراس ثقافة الاستبداد. وإذا كان بعض الكتاب قد نشروا أعمالهم في بيروت ثم في المنافي، فلم يسلموا منهم؛ إذ لاحقوهم حيثما وجدوا، ولم يعدموا الوسائل لتهميشهم والتعتيم عليهم داخل البلد واتهموهم بالطائفية. هذا المشهد الطويل من القمع كان ضاغطاً، فكانت الثورة تعبيراً عن الرفض، وبدوره كان للثقافة والأدب دورٌ، ولم تعد الرواية مخيرة في أن تدير ظهرها لأعظم حدث منذ الاستقلال، وكروائي سلاحه الرواية، لم يكن سواها لأعبر عن رؤيتي لهذا الخطر الذي تمثله الدولة الشمولية الرثة.
ـ تقترب رواياتك كثيراً من الواقع السياسي دون أن تتحول إلى خطاب مباشر؛ كيف تحافظ على البعد الفني للرواية وسط هذا الكم من الوقائع القاسية؟
عندما تكون السياسة عاملاً فاعلاً في التأثير على حياتنا، لا يمكن استبعادها من الرواية، وإلا كانت الرواية تساهم بالتضليل العام؛ فالرواية انعكاس للحياة بشكل فاعل وحساس، والسياسة كأحد أبعاد الرواية هي إحدى أدوات قول الحقيقة، ولا يجوز إهمالها تحت أي سبب طالما السياسة تصنع الحرب مثلما تصنع السلام. لكن لن تكون هناك رواية إذا لم يكن الفن نسيجها والمساهم في صناعتها؛ فمن دونه لن تبلغ أغراضها سواء على السطح أو في العمق. ما يتيحه الفن من حساسية في التعبير لا تتيحه المباشرة بسبب محدوديتها، فالفن يفتح آفاق الخيال على مصراعيها مما يحرر الرواية ويذهب بها إلى الحدود القصوى، إنه الأكثر كشفاً وإقناعاً.
ـ هل ترى أن من مهمة الأدب السوري اليوم أن يروي ما حدث ويحفظ الذاكرة، أم أن للرواية دوراً أبعد من الشهادة على المأساة؟
الأدب ليس مرتبطاً بمهمة محددة، إنه مرتبط بكل شيء، مهماته لا يمكن وضع حدود لها، ولا شيء خارج قدراته؛ إذ تطال كل ما يعني البشر طالما الحياة كلها مفتوحة أمامه بتنوعاتها وثَرائها وأمراضها. إنها الكتابة عنا نحن، من دون تعيين أو تمييز. وإذا كان الأدب لا يتجنب الواقع، فالذاكرة تحيله إلى الماضي؛ ذلك البئر الذي لا ينضب لتذكارات عالم مضى ولم يمضِ.
ـ في روايتك “السوريون الأعداء” يظهر الانقسام العميق داخل المجتمع حتى يبدو أبناء البلد الواحد كأنهم خصوم؛ هل حاولت من خلال الرواية فهم جذور هذا الانقسام؟
الخلافات بين البشر خُلقت معهم ولا تستثني شعباً، إنها كما تبدو لنا نحن الروائيين “مادة الحياة البغيضة”، لكنها للأسف هي التي تصنع الروايات والمسرحيات والقصص. في الحالة السورية، قام النظام طوال نصف قرن بإضافة انقسام شكل شرخاً بين السوريين، عندما أصبحوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم طوائف متصارعة مصالحها متناقضة؛ كان هدف النظام ترسيخ سلطته، ولم يكن ذلك ليتحقق إلا بتمزيق السوريين إلى مكونات تتحكم بها الريبة والحذر. طبعاً هناك جذور تذهب إلى التاريخ لم تقصر الأنظمة الديكتاتورية في استثمارها. في رواية “السوريون الأعداء” وغيرها، كان لا بد من تفسير الحدث الرهيب الذي وقع في حصار حماة، وأدى إلى قتل الآلاف من الأبرياء، وما أعقبه من مسلسل القمع والرعب. هذه الحادثة الفيصل كان لها الأثر الأكبر، إضافة إلى عوامل أخرى، فيما حدث بعد نحو أربعين عاماً.
ـ تعالج بعض أعمالك العلاقة المعقدة بين السلطة والحقيقة؛ هل ترى أن الرواية قادرة على كشف ما تعجز عنه السرديات الرسمية؟
أغلب السرديات الرسمية، إن لم تكن ملفقة، فهي منساقة لسياسات الدولة، تحيلنا إلى أن كل شيء على ما يرام؛ هذا على السطح المخادع، لكن تحته هناك سجون وقتل واغتيالات وإعدامات وتعذيب.. النظام ينشد تأبيد وجوده. الأدب، وخاصة الرواية، أكثر تأهيلاً لعدم مجاراة هذه السردية الزائفة، عبر إظهار كذب هذا الادعاء وكشف تجاوزات السلطة وجرائمها. لماذا لا نكتب عنها؟ ماذا عن العدالة؟ وماذا عن الحقيقة؟ هذه من شؤون الرواية. السرديات الرسمية لا تهمها العدالة، وعاجزة عن معرفة الحقيقة، لأن عملها ليس التحري عنها، وإنما دفنها بمجرد ما تبدأ علاماتها بالظهور.
ـ إلى أي حد يمكن للأدب أن يسهم في حفظ الذاكرة السورية من النسيان أو التشويه في ظل الشتات والدمار؟
حفظ الذاكرة ليس مهمة الأدب وحده، إنها مهمة مراكز البحث والتوثيق التي تقوم بها مؤسسات؛ إنه جهد جماعي عملاق يطال بالدرجة الأولى الثورة والحرب، بالإضافة إلى نصف قرن من الطغيان. إنها فوق طاقة كاتب أو حتى مؤرخ، لكن الذاكرة تساعد الأدب على وضع الرواية في داخل هذه البوتقة، ليس بشكل عارض وإنما في العمق. إن الذاكرة هي الأرضية التي يتحرك في داخلها البشر، ومنها تتبلور رحلتهم الواعية إلى الحاضر والتفكير في المستقبل. العودة إلى الذاكرة لا تختصر بأنها مضادة للنسيان فقط، بل بإسهامها في الكشف عما أصاب العالم الجوّاني من أذى وتشوه، ومحاولة علاجه، وإدراك أن الحياة تستحق أن تُعاش، وأن الاستبداد ليس قدراً.
ـ ما الحكاية السورية التي تشعر أنها لم تُكتب بعد، أو ما تزال تنتظر من يجرؤ على روايتها؟
ليست هناك حكاية واحدة، هناك المئات، بل مئات الآلاف التي لم تُكتب؛ إذ لم يكن مسموحاً بها. وليس المطلوب الجرأة فقط بعد توافر قدر من الحرية، وإنما أن يكون ما يُكتب رواية تستحق أن تُكتب وتستحق أن تُقرأ. المطلوب فعلاً هو الإحساس بالحرية، تلك التي حُرم منها الأدب طوال نصف قرن، حتى أصبح الاعتياد على الحرية وكأنه صعب المنال. ما زال الحذر والخوف يسكنان الناس، إنه “الرقيب الداخلي” الذي ليس من السهولة انتزاعه؛ لذا على الكاتب إدراك أنه أصبح حراً، وأن يعرف لماذا هذه الحرية وكيف سيستعملها
-
المصدر :
- الدوحة