ما تداولته الشاشات والمنصات مؤخراً من مقاطع فيديو وصور مروعة تكشف كواليس التعذيب والقتل داخل المستشفيات العسكرية في عهد النظام، لم يكن إلا تجسيداً بصرياً لما سبق وأن وثقه الروائي السوري فواز حداد بدقة جراح في روايته “جمهورية الظلام” (الصادرة عام 2023 عن دار رياض الريس).
لقد كانت تلك المشاهد “الواقعية” حقيقة يدركها السوريون جيداً، ولم يكن لمن يكتب رواية تنبش في بنية نظام الأسد أن يتجنب هذا الملف؛ فالتعذيب في المشافي لم يكن مجهولاً، بل كان ركناً أساسياً في جحيم المنظومة الأمنية.
بهذه الرواية، واصل حداد مشروعه التأريخي للألم السوري، غائصاً في واحدة من أكثر المناطق عتمة ورعباً في تاريخ البشرية الحديث: المستشفيات العسكرية التي تحولت إلى مسالخ بشرية تتجاوز في وحشيتها أقبية المخابرات ذاتها.
جولة في كواليس الموت
تبدأ الحكاية السردية بوصول “المحقق سامر” إلى المستشفى العسكري، مبعوثاً من “الفرع 650” لاستعادة عشرة معتقلين. هناك، يستقبله ضابط أمن المستشفى؛ شاب في الثلاثين، يرتدي “الروب الأبيض” فوق زيه المبرقع، في مفارقة بصرية تلخص تحول الطب من مهنة لإحياء النفوس إلى أداة لإزهاقها.
في هذا المكان، يكتشف المحقق أن الأسماء قد مُحيت، وحلت محلها الأرقام (في إشارة واضحة لما عرفه العالم لاحقاً بصور “قيصر”). فالداخل إلى هذا المستشفى يفقد هويته ليتحول إلى رقم يرافقه في رحلة العذاب، من المهجع القذر وصولاً إلى القبر أو المحرقة.
فلسفة “الموت بالتقسيط”
ولا يكتفي فواز حداد بنقل المشهد، بل يغوص في سيكولوجية الجلادين. يبرر ضابط الأمن وحشية الممرضات بكونهن “جنس حساس” فقدن أقارب في الحرب، لذا يمارسن انتقامهن بالضرب بخراطيم البلاستيك على أجساد المعتقلين الغارقة في الدماء والقيح.
ينتقل السرد إلى “المشرحة”، حيث يقف الطبيب الشرعي ليكتب تقارير الوفاة الجاهزة: “جلطة دماغية، سكتة قلبية”، متجاهلاً ببرود جبالاً من الأجساد التي تصرخ جراحها وكسورها وآثار التعذيب فيها بالحقيقة التي تنكرها الأوراق الرسمية، وهي الحقيقة التي فضحتها تلك المقاطع والصور المسربة لاحقاً.
الغرفة السوداء: ذروة الوحشية
في فصل يحمل عنوان “الجحيم الأرضي”، يكشف حداد عن ابتكار أمني مرعب يسمى “الغرفة السوداء”؛ مكان مخصص لـ “الحالات الخاصة”، أولئك الذين يُراد التشفي منهم بأوامر عليا. هنا، يُمارس ما يصفه الضابط بـ “الموت بالتنقيط”؛ حيث يُترك المعتقل في ظلام دامس، بلا طعام أو دواء، لتوصيله إلى حافة النفس الأخير، ثم تركه ليعاني سكرات الموت لأيام، في انتظار “حقنة الكالسيوم” المميتة التي لا تُعطى إلا كمنحة لإنهاء عذابهم.
البحث العبثي عن الحقيقة
تنتهي جولة المحقق سامر بمأساة عبثية؛ من بين المعتقلين العشرة، وجد ثلاثة فقط على قيد الحياة، بينما السبعة الآخرون “أسلموا الروح” وتبخرت جثثهم في السجلات. ورغم محاولته استعادتهم، تصدمه التعليمات الصارمة: “من يدخل الغرفة السوداء لا يخرج حياً”.
وخلاصة القول أن “جمهورية الظلام” ليست مجرد رواية، بل هي شهادة استباقية قاسية تعيد بناء الذاكرة السورية المحطمة، وتؤكد أن الأدب كان شاهداً على الحقيقة قبل أن تلتقطها العدسات؛ حقيقة تحول مؤسسات الدولة إلى أدوات في يد “الشر المطلق”.
-
المصدر :
- زمان الوصل