تبدو الشهرة أحياناً هي التي تحرك البشر، والرغبة في احتلال مكانة، ليست بالأمر الجديد، بل قديمة منذ أن ظهرت قبائل وسلطة ومناصب وصحافة، صارت المكانة تكرس بالحفاوة والتكريم بأنواعها. ومهما تعددت الوسائل كان الطلب على الشهرة محموماً، حتى أن الساعي إليها بأية وسيلة، لا يتورع عن الكذب والاحتيال، أو حتى التذلل، أو ارتكاب جريمة لإزاحة منافس، وهذا لا ينفي أبداً وجود قامات كثيرة على مر التاريخ، حظيت بما تستحقه من الشهرة، بما قدمته لبلدها أو للإنسانية من خير، كما لا يستبعد ان الشهرة سعت إليهم أو إلى بعضهم.
ما نشهده اليوم ليس مجرد تحوّل في وسائل الحصول على الشهرة، فما زال الحصول عليها يخضع للقاعدة نفسها، وإنما تحوّل في معيار القيمة ذاته. لم يعد الجهد الفكري أو الثقافي هو الطريق الطبيعي إلى المكانة، بل أصبحت المكانة تُنتج بوسائل مستقلة عن القيمة، وأحياناً في تعارض معها، إذ لا يُقاس الفرد بما أنجز، بل بما نجح في إقناع الآخرين بأنه أنجزه، ولم تعد تكلف عناء سنوات من الجهد. ببساطة هناك من يعرف كيف يستخدم المظاهر ويخدع الناس بوسائل تأنف كرامة الإنسان من افتعالها، لكنها إذا كانت تجري في الخفاء تصبح بالمتناول وبشكل أسهل.
في الماضي، كانت الشهرة نتيجة، تأتي بعد العمل، أما اليوم فيمكن أن تسبقه، بل أن تحلّ محله. لم يعد السؤال: ماذا كتب؟ ماذا فكّر؟ ماذا أضاف؟ بل: كم عدد المتابعين؟ كم عدد النقرات؟ كم مرة ظهر؟ كم يجني؟ أصبح التقييم مجرد تقييم رقمي.
من جانب آخر، هناك الطريق الآخر إلى الشهرة، فالمكانة يمكن تحصيلها بالثروة، ليصبح أصحابها من الأشخاص الأكثر سلطة، الأكثر تأثيراً، الأكثر جاذبية، بالتالي الأكثر شهرة. فإذا كانت الشهرة توصف بأنها التقييم الكمي لمدى معرفة الناس به، فالثراء يمكن وصفه بأنه التقييم الكمي لما يملكه.
تذهب هذه النقلة إلى الدائرة المهيئة لها، دائرة السوق التي يتحكم بها منطق لا يسأل عن الحقيقة، وإنما عن مجرد منتج، ولا يسأل: هل هذا عميق؟ بل هل قابل للتسويق السريع؟ وهنا تنشأ مفارقة خطيرة: يمكن لعمل سطحي أن ينتشر، ليس لأنه أفضل، بل لأنه أسهل. السطح ينتصر لأنه لا يتطلب جهداً من المتلقي، بينما العمق يتطلب مشاركة داخلية، وتأملاً، وربما قلقاً وعرقاً.
الثروة تُقرأ بوصفها دليلاً على القيمة الفكرية أو الثقافية
مع مرور الزمن، يبدأ الانتشار نفسه في إنتاج شرعية، بموجب أن ما ينتشر بشكل واسع، يُفترض أنه مهم، وما يحظى باهتمام كبير يُفترض أنه يستحق هذا الاهتمام، الأخطر من ذلك أن الثروة تُقرأ دليلاً على القيمة الفكرية أو الثقافية. إذا كان غنياً، فلا بد أنه ذكي جداً. وإذا أصبح مشهوراً، فلا بد أنه يستحق الشهرة. هذه المعادلة تعكس انقلاباً واضحاً: لم تعد القيمة هي التي تولّد النجاح، بل النجاح هو الذي يُستخدم لإثبات القيمة. وهنا تنشأ دائرة مغلقة: الشهرة تولّد شهرة، والانتشار يولّد انتشاراً، بغض النظر عن القيمة الفعلية. بالتالي يمكن لشخص أن يصبح مرجعية، لا لأنه قدّم معرفة، بل لأنه نجح في احتلال المجال البصري.
في هذا السياق، لم يعد صاحب المكانة بحاجة إلى إنتاج فكري حقيقي، بل إلى إدارة صورته. إنه أشبه بمدير حملة دائمة لنفسه، تشبه حملات المرشحين للرئاسة الأميركية. فالمرشح يحيط نفسه بالمروّجين، والمساعدين وقارئي توجهات الشارع وكيفية التأثير فيه، هؤلاء “مرتزقة المكانة”، يدافعون عن الشخص الموعود بالمكانة، لأنهم يستمدون مكانتهم من قربهم منه، وموعودون بالمناصب في حال الفوز، وهكذا لا يمكن الثقة بالسياسة ولا بالثقافة، طالما الولاء يتحكم بهما لا الحقيقة.
-
المصدر :
- العربي الجديد