في روايةٍ تَستَعرُّ بين دفَّتيها نيرانُ التاريخ السوري المُعاصر، يَنقُشُ فواز حداد بِمِبْضَعِ الروائي وَجَعَ أمةٍ تئِنُّ تحت وطأةِ النظام البعثي وقبضةِ الطائفية المُقَنَّعة. إنَّ «السوريون الأعداء» (الصادرة عام 2014) ليست مجرَّد سردٍ لأحداثٍ ماضية، بل هي تشريحٌ دامٍ للآلية التي حوَّلت السوريين إلى أعداء لأنفسهم، وذاكرةٌ حيَّة ترفض النسيان. والآن، وقد حان وقتُ تحوُّلها إلى عملٍ درامي ضخم مُنتظَر في رمضان 2026، تعود الرواية لتطرح سؤالها المُزلزِل: كيف نقرأ ماضينا كي نُفَكِّكَ عداوةَ حاضرنا؟
أولاً: عوالم النص.. سجن كبير اسمه سوريا
تبدأ الرواية من لحظةٍ مفصليةٍ في التاريخ السوري، مُرتكزةً على مجزرة حماة 1982 كبؤرةٍ للانفجار الذي سَيَستمرُّ لعقود. لا يكتفي حداد بسرد الأحداث، بل يغوص في «الرؤية الأدبية العميقة للواقع السوري في ظل النظام البعثي». عبر 474 صفحة، ينسج خيوطَ حكايةٍ تمتد من الثمانينيات حتى بدايات الثورة في 2011، في ربطٍ ملحمي بين الجرح التاريخي والانفجار المعاصر.
· الشخصية المركزية: الطبيب السجين: يختار الكاتب أن يكون بطل روايته طبيباً يُعتقل دون معرفة مصير عائلته، ليمضي ثلاثة عقود في سجن تدمر، لينتهي به المطاف مُصاباً بالفصام. هذه الشخصية ليست فرداً فحسب، بل هي تجسيدٌ للعقل السوري الذي حُبسَ وعُذِّبَ حتى تشظَّت هويته.
· ثنائية السجان والسجين: يرسم حداد صورةً قاسيةً للسجن السوري، حيث «لكأن السجن موقوف على سجناء الإخوان المسلمين، وكأن السجّانين والإدارة علويّون جميعاً». هذه الثنائية تتحول إلى استعارةٍ كبرى للبلاد كلها، حيث يتحول الصراع السياسي إلى حرب هويات طائفية مُدمِّرة.
· من 1982 إلى 2011: خيط الذاكرة: يرى حداد أن «لحظة حدوث هذا التصدع كانت أحداث الثمانينيات»، مؤكداً أن الرواية تُقدِّم بعض الأسباب التي دفعت السوريين في 2011 «للجهر بإسقاط النظام والثورة عليه». فالذاكرة المكبوتة هنا هي وقود الثورة.
ثانياً: الأسلوب والفن.. لغة الوجع والتصدُّع
يتميَّز أسلوب فواز حداد في هذه الرواية بالآتي:
· السرد التاريخي المُتأني: يعتمد على تسلسل دقيق للأحداث، و«بحث في دوافع الثورة», مما يمنح العمل طابعاً توثيقياً شديد القوة.
· اللغة المتوحشة أحياناً: تستخدم الرواية لغةً صادقةً تليق بوحشية المرحلة، تصف «حركة تنامت طرداً مع اتساع دائرة الاعتقال والتعذيب والقهر، وقمع حرية الرأي، واستفحال الفساد وتوحشه».
· البناء الدرامي المُحكم: توزع الأحداث على شخصيات متعددة تمثل شرائح المجتمع، لترسم في النهاية لوحةً كلية للمأساة، تجمع بين السياسي والاجتماعي والنفسي.
ثالثاً: الجدل والوقع الثقافي.. رواية «غير مسبوقة الجرأة»
منذ صدورها، أثارت الرواية جدلاً واسعاً بسبب تناولها الحاد لموضوع الطائفية وأحداث حماة، ووصفها بأنها من أهم الأعمال التي وثقت معاناة السوريين خلال عقود حكم الأسد. لقد تجاوزت الرواية دور السرد الأدبي إلى دور المراجعة التاريخية والأدبية والفكرية والسياسية لمرحلة من الظلم والبشاعة. وهي بذلك تضع القارئ أمام مرآةٍ قاسية، أو كما يقول أحد النقاد: «عمل روائي يتنكب به فواز حداد مهمة تنبيهنا للحال الذي نحن عليه».
الخاتمة: من دفتر الرواية إلى شاشة الدراما.. رمضان 2026
يُعد تحويل «السوريون الأعداء» إلى مسلسل درامي ضخم في رمضان 2026 حدثاً ثقافياً بارزاً. العمل، الذي يضم نخبة من نجوم الدراما السورية، سيكون محاولة جريئة لنقل جزء من تاريخ حكم آل الأسد إلى جمهور أوسع. هذا التحويل يطرح إمكانية جديدة لـ إحياء الذاكرة الجمعية عبر الفن، ويفتح ملفاتٍ تاريخيةً بأسلوبٍ درامي مؤثر.
لكن التحدي الأكبر الذي سيواجه المُنتجين هو كيفية تحويل هذا النص المعقد، الحاد، والمليء بالتفاصيل النفسية والتاريخية، إلى صورٍ تليق بعمق المأساة دون أن تفقد جرأتها أو تقع في التسطيح. إن نجاح المسلسل لن يقاس بمدى إتقانه الفني فحسب، بل بمدى قدرته على حمل الرسالة نفسها التي حملتها الرواية: أن العداوة بين السوريين ليست قدراً، بل هي بناءٌ سياسي طائفي يمكن، ويجب، تفكيكه بالذاكرة والحقيقة.
هكذا، تظل «السوريون الأعداء» – سواء بين دفتي كتاب أو على الشاشة – صلاة جنازة على الوطن الذي كان ،، ونداء استغاثة للوطن الذي يمكن أن يكون .. فهي تخاطب القارئ والمشاهد بلغة الوجع ذاتها : أن تذكر ،، هو أن تقاوم… R-A
-
المصدر :
- المثقفون السوريون