إذا نظرنا إلى الكتابة بأنواعها من شعر وقصة ورواية، ومؤخراً الشهادات والمذكرات، بالنسبة إلى ما عايشناه في سورية على مدى ما يزيد عن نصف قرن، وتساءلنا فيما إذا كان ما كتبناه يمكن أن يسهم في توثيق ذلك التاريخ من الانتهاكات التي عانينا منها في الدولة الشمولية، فسوف يكون السؤال في جوهره سؤالاً عن الذاكرة، والعدالة، والبشر: هل يكفي أن نكتب لئلا ننسى؟ أم إن الكتابة، رغم ضرورتها، تظلّ فعلاً ناقصاً إذا لم تتجاوز حدود التوثيق إلى الفعل؟
تُعتبر الكتابة الخطوة الأولى في مقاومة النسيان. فالأنظمة الدكتاتورية، بطبيعتها، لا تكتفي بارتكاب الجرائم، بل تسعى أيضاً إلى محو آثارها، وتزوير الوقائع، وإعادة صياغة التاريخ بما يخدم بقاءها، وكأنها غير قابلة للزوال.
في هذا السياق، تصبح الكتابة فعلاً مضاداً للإلغاء، ومحاولةً لإنقاذ الحقيقة من الانكسار أمام جائحة الأكاذيب. إنها تشبه وضع علامات على طريق مهدد بالتلاشي، والعمل على تثبيت ذاكرة جماعية في وجه النسيان المتعمد. من دون الكتابة، يتحول الاستبداد إلى أقاويل محفوفة بالشكوك.
الكتابة قد تواجه خطر التحول إلى طقس من تبرئة الضمير
لكن أي كتابة؟ فالكتابة ليست بريئة دائماً، ولا محايدة بالضرورة. يمكن أن تكون الكتابة نفسها أداة تزييف، أو وسيلة لإعادة إنتاج رواية السلطة عما جرى ويجري. لذلك، فإن مجرد “الكتابة” لا يكفي، بل يجب أن تكون كتابة تسعى إلى كشف البنية التي أنتجت الدكتاتورية وجعلت جرائمها مسكوتاً عنها.
إن الكتابة التي تكتفي بالسرد وتوصف الانتهاكات من دون مساءلة أسبابها قد تساهم، بشكل غير مباشر، في تطبيع تاريخ مؤلم، وكأنه من طبيعة الأشياء. مع أن الكتابة تبقى، مهما بلغت قوتها، فعلاً رمزياً إذا لم تتصل بمسارات أخرى: التغيير، العدالة، المحاسبة، الذاكرة. الكتابة وحدها لا تُعيد الحقوق، ولا تنصف الضحايا. يمكن للمجتمع أن يتذكر جيداً، ومع ذلك يكرر الجرائم نفسها، إذا لم تتحول الذاكرة إلى وعي سياسي وأخلاقي يدفع نحو التغيير، وإلا يمكن القول إن السلطة التي سقطت ما زالت عقليتها هي السائدة. هذا ما يظهر حدود الكتابة في المرحلة الأولى: فهي توثق، ولا تحاكم؛ تشهد، ولا تصدر الأحكام.
بيد أنه لا ينبغي التقليل من قوة الشهادة. فالتاريخ مليء بأمثلة على نصوص كُتبت في الظل، لكنها أصبحت لاحقاً مرجعاً أساسياً لفهم مرحلة كاملة. الشهادة المكتوبة تمنح الضحايا صوتاً، وتعيد إليهم شيئاً من إنسانيتهم التي سُلبت منهم في مواجهة آلة القمع التي سعت إلى تحويل الإنسان إلى رقم، تأتي الكتابة لتعيد له اسمه، قصته، وفرادته. هذا بحد ذاته فعل إحياء ضروري.
غير أن الكتابة قد تواجه خطر التحول إلى طقس من تبرئة الضمير. عندما يكتب المثقف، أو الشاهد، أو الناجي، ويشعر أنه أدى واجبه، لكن الواقع بقي على حاله، فتصبح الكتابة بديلاً عن الفعل. إن الأنظمة القمعية لا تخشى الكلمات بقدر ما تخشى التاريخ. إذا بقيت الكتابة في دائرة التعبير الفردي دون أن تتصل بحركة اجتماعية أو سياسية، ستفقد جزءاً كبيراً من قدرتها المعول عليها.
الكتابة ضرورية، لكنها ليست شرطاً كافياً. هي البداية، لا النهاية. من دونها، تضيع الحقيقة. المطلوب هو أن تتكامل الكتابة مع مسار آخر، ليس أقل من بناء مؤسسات قادرة على حماية الذاكرة وتحويلها إلى قوة تغيير.
يمكن القول من دون مبالغة إن الكتابة هي شكل من أشكال العدالة المؤجلة. هي وعد بأن ما حدث لن يُمحى، وأن هناك من رأى، ومن سجّل، ومن رفض الصمت. لكنها تحتاج إلى من يكمل هذا الوعد، إلى من يحوّل الكلمات إلى أفعال، والذاكرة إلى مستقبل مختلف. بدون ذلك، تبقى الكتابة شاهداً نبيلاً. لكنه عاجز.
-
المصدر :
- العربي الجديد