إذا كان غياب الحقيقة كحضورها سيان، فلا مبرر لإضاعة الوقت الثمين في البحث عنها، ولو بالعودة إلى زمن صراع الجبارين العملاقين الاتحاد السوفييتي، والإمبريالية الأميركية، عندما كان كل منهما يحاول استباحة العالم بأيديولوجيته، لا مفكر يستطيع التفكير إلا بموجبها، من دون انزياح قيد أنملة عنها، فإذا كنت يسارياً هناك ما يسدد خطاك إلى الجنة الشيوعية، وإذا كنت يمينياً هناك ما يقودك إلى النعيم الرأسمالي.
الاشتراكية العربية التي سُخر منها، كانت محاولة بائسة ولدت ميتة، أمام الزخم الشيوعي، المبرمج بآليات مبوبة من الألف إلى الياء، والطريق إليها محسوم بالصراع الطبقي، ثم إن الاشتراكية علمية، فلماذا العربية؟ كذلك الحرية، كل ما دار عنها لا يزيد عن سفسطة، ما دام أن الحرية كل الحرية للشعب ولا حرية للأعداء الطبقيين من البرجوازية الكبيرة والصغيرة.
سلط الأميركيون المثقفين على المثقفين، فأخذتهم المخابرات الأميركية CIA على عاتقها وتحت إشرافها، هل هناك مؤسسة في العالم أكثر منها شهرة؟ شهرتها بالانقلابات معروفة وموثوقة، ماذا تعني إزاءها الانقلابات الفكرية؟
لم يتحد العمال، اتحد العسكر، وانفرط عقد المثقفين الأخيار
تلخص العالم بكتلتين من الدول، لا يُسمح لك بأن تفكر بمعزل عن أحدهما. اليوم لم يختلط الحابل بالنابل، وإنما أضاف المثقفون بعض التحسينات إلى أيديولوجياتهم، تمليها الحداثة، لا بأس بالاحتفاظ بشيء من العدالة الاجتماعية، لكن مع الثرثرة بالديمقراطية والعلمانية والحرية والدولة المدنية، وإتاحة المجال لزعيق النسويات، ولا بأس بغض النظر عن المثلية والجندر… مسايرة للغرب الإنساني، حتى روسيا تسايرهم. هناك برامج مخصصة لهذا الترشيد تعمل على تدريسه منظمات غامضة التمويل، لا يعرف من يدفع لها، فقنوات المال معقدة جداً، حتى المسؤولون عنها، لا يعرفون من أين تمطر عليهم الدولارات. المهم: ابدأ تصل.
أما كيف تصل، فكل خطوة معمول حسابها، فالمقاومة إرهاب، والشهداء إرهابيون، والتضحية بالنفس، انتحار إرهابي، والمسلمون المتشددون إرهابيون بالفطرة، والمعتدلون سيصبحون إرهابيين. وهو ما توافق عليه العالم، فكانت الثقافة على السوية نفسها، هذا مجرد مثال. لكن أدى إلى اعتبار الإسلام دين الإرهاب، فطاول الاتهام اللحى والسبحات والصلاة والحجاب والمآذن و”الله أكبر” والقائمة تطول. تشبث بها مثقفو المنظمات اللاإنسانية، الاتهامات شائعة وفي حال النقص تستورد من بلد لبلد، لكن مضمونة الجودة، صنعت بإتقان، من فرط ما لابسها من تدليس وغش. بالتدريج اعتمدت أيديولوجية “الإسلام دين الإرهاب”، أصبحت حقيقة، إلى حد أنها لدى البعض لا تقبل المناقشة.
لم يستطع اليسار أن يتعلم من الواقع منذ انتحل دعوة البيان الشيوعي: يا عمال العالم اتحدوا، ما الذي جرى؟ لم يتحد العمال، اتحد العسكر، وانفرط عقد المثقفين الأخيار والتأم عقد المثقفين الأشرار. هذا تراث كان دليل عمل، نشأوا عليه، لا يمكنهم اليوم التقدم من دون الاستئناس به، يسري بالدم لا بالعقل، ولو أنه أثبت عجزهم عن تحقيق مقولاته، وأورث نكبات، لكن يصح السير وراءه، بأيديولوجية موثوقة، طرأت عليها تعديلات، فالعالم في فوضى فكرية، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وتسيد أميركا العالم، وليس غير الأيديولوجيات تمتلك الحقائق، لماذا الواقع، حسب الزعم، كان متوافراً في الكتب الحمراء، اما الآن فيفيض من الغرب المهموم باقتصاد تسيره حفنة من المليارديرات.
من أجل الحقيقة، بات البحث عنها يحمل أعباءه الباحثون عن دكاكين يقدمون خدماتهم لها، مهما كانت هذه الخدمات، ولو في أحداث الفوضى والانقسام داخل مجتمعات هي أصلاً تعاني من الانقسام والطائفية والاستغلال. ما هي مهماتهم؟ التحريض والتشكيك بكل خطوة، يريدون دولة مدنية بينما يغوصون في سعير الطائفية، هذه أيديولوجية تم صنعها في الخفاء، وبدأت تؤتي ثمارها؛ تحريض، وقتلى، ودماء، وإسرائيل.
ويبذلون جهوداً تمنع تعافي مجتمعات لم تتماثل للشفاء من دكتاتورية متوحشة.. وإذا كانت مهماتهم قد تنجح، فلأنهم حولوا ساحات الحوار إلى ساحات للكراهية. ابتلي العالم بمثقفين لا يقلون حماقة عن السياسيين والعسكر، في الواقع، تُرسم الحقيقة في أميركا، وفي طريقها تحاصر الأوروبيين، ثم لا تستثني أحداً، العرب وغيرهم. فلماذا الحقيقة، ما دامت في رأس شخص واحد، إنها أيديولوجية الرأس الأوحد، القادم من جنون المال، وعربدة القوة، وجشع المقاولات، ونيّات السيطرة المطلقة.
-
المصدر :
- العربي الجديد