قد يدّعي روائي الحياد تجاه شخصيات رواياته، وهذا من واقع تجربته، بالانحياز إلى خيار اتخذه سلفاً، يمنح شخصياته حرية التعبير عن رؤيتها للعالم، ولو كانت تتصادم مع رؤيته، عندما تقول ما لا يريده الكاتب، أو تذهب إلى استنتاجات تقلقه، وقادرة على إرباكه، بالمختصر، إنها شخصيات حيّة. وهو ليس ادّعاء تقنياً بسيطاً، ويمكن اعتباره لدى بعض الروائيين، يشكل مفهومهم للرواية التي يكتبونها، بوصفه موقفاً أخلاقياً وجمالياً استدعاه فعل الكتابة ذاته. إنه سؤال عن حدود سلطة المؤلف على عالمه المتخيّل، وعلى الكائنات التي أنشأها بالكلمات، ثم طالبها، بمفارقة لافتة، أن تكون حرة.
في التقليد الروائي الكلاسيكي، كان يُنظر إلى الروائي بوصفه الكاتب العارف، الذي يرى أكثر مما ترى شخصياته، ويقود مصائرها من مسافة تسمح له بالإحاطة بها، سواء اعترف بذلك أم أخفاه بسرد يبدو محايداً. لكن تطوّر الرواية، زعزع هذه الصورة. لم يعد السؤال: كيف أُحكم السيطرة على شخصياتي، بل كيف أتنازل عن جزء من هذه السيطرة من دون أن يفقد العمل تماسكه ومعناه؟
حين ينشد الروائي الحيادية، يعلن رفضه لتحويل الشخصيات إلى مجرّد أبواق لأفكاره الخاصة. بذلك يتقدّم مفهوم التفاعل بدل الإملاء. الروائي لا ينسحب من النص، وإنما يفسح المجال لكي تكشف الشخصية عن منطقها الخاص، وليس قناعة المؤلف، فيصبح السرد مساحة تفاوض دائم بين وعيَين: وعي الكاتب ووعي الشخصية.
إن الأدب ليس محكمة تصدر أحكاماً، بل فضاء يُختبر فيه الإنسان
هذا التفاوض لا يخلو من التوتر. فالشخصية الروائية ليست كائناً حراً بالمطلق؛ إنها مخلوقة لغوية، محكومة ببنية النص، وخيال الكاتب، كما أنها ليست خطاباً أيديولوجياً، بل فضاء من الأسئلة، إذا كانت الإجابات معروفة مسبقاً، فالشخصيات تُسخَّر لخدمتها. لكن ماذا لو ولد السؤال من فم الشخصية نفسها، وحاول الروائي الإجابة عنه، وربما أخفق، وظل معلقاً حتى النهاية؟
هذا الموقف يرتبط ارتباطاً وثيقاً بفكرة الحرية داخل العمل الأدبي. حرية الشخصية ليست شعاراً، بل ممارسة سردية دقيقة: أن يُسمح لها بأن تخطئ، أن تتناقض، أن تُبرّر أفعالها، ولا يتبرع الكاتب بتبريرها أخلاقياً، ولا التسامح معها، ولها أن ترى العالم من زاوية قد تبدو منحرفة أو ناقصة. حين يحدث ذلك، لا يعود القارئ في مواجهة فكرة واحدة، بل في مواجهة شبكة من الرؤى المتصارعة، التي تعكس تعقيد الواقع الإنساني.
هذه الحرية لا تعني غياب الروائي، إنه حاضر دائماً في ما يرويه وما يسكت عنه، في السرد وترتيب المشاهد، حتى حين يتنازل عن صوته المباشر، فإنّ أثره يبقى كظلّ لا يمكن محوه. لذلك؛ فإن القول بعدم حجب الآراء لا يعني اختفاء المؤلف، بل تحوّل حضوره من سلطة آمرة إلى وعي مُنظِّم، يتيح التعدّد بدل أن يقمعه.
يمكن القول إنّ الرواية التي تمنح شخصياتها حرية التعبير عن ذواتها لا تفقد انتماءها إلى مؤلفها، بل تعمّقه. فهي تنتسب إليه بوصفه من أنشأ شروط هذا التعدد، ومن تحمّل شجاعة ترك الأسئلة مفتوحة، أو إمكانية إغلاقها. في هذا المعنى، يصبح الروائي شبيهاً بمنظم جلسات فكرية: يدعو شخصياته إلى ندوة ثقافية، يتيح لكل منها أن تتكلم بلغتها، ثم ينسحب قليلاً لئلا يطغى صوته على أصواتهم.
ولعل القيمة الأعمق لهذا الخيار تتجلى بتأثيره في القارئ. فالرواية التي لا تحجب الرؤى المتعارضة، تدعو القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى، لا إلى استهلاكه فقط. الرواية هنا لا تمنح القارئ موقع القاضي، ولا تُريحه بإدانة جاهزة، بل تضعه في موقع المطلع، والتفكير بعلاقته بهذا التعدد، وعن موقفه من أصوات متنافرة ومتنازعة.
إن الأدب ليس محكمة تصدر أحكاماً، بل فضاء يُختبر فيه الإنسان. وحين تنجح الرواية في جعل شخصياتها تعبّر عن نفسها لا عن مؤلفها فقط، فإنها تمنح نفسها الحقّ في أن تكون عملاً حيّاً.
-
المصدر :
- العربي الجديد