يتشارك كُتاب الرواية والقصة القصيرة في التعبير عن تجاربهم الإنسانية، ورؤاهم الفكرية، وتصوير الواقع وتخيّله، هذا في الأساس، منذ ظهورهما حتى الآن، على الرغم من الفروق التي تعتبر جوهرية، وتساعد على التمييز بينهما بسهولة، من حيث الحجم، والبناء الفني، وطريقة تناول الأحداث والشخصيات، وهي الطريقة الكلاسيكية للقول إن هذه قصة وهذه رواية.
القصة القصيرة والرواية جنسان أدبيان رغم أنهما متغايران، لا محل للتنافس بينهما، لعدة أمور، إذ لكل منهما جماله ووظيفته وأدواته الفنية الخاصة. القصة القصيرة تشبه الومضة التي تضيء موقفاً إنسانياً، بينما الرواية تشبه الرحلة الطويلة في عوالم متعددة وتجارب متنوعة. ويظل اختيار الكاتب بين القصة والرواية مرتبطاً بطبيعة الفكرة التي يريد التعبير عنها، والمساحة التي تحتاجها هذه الفكرة.
ما ينبغي إدراكه، أن القصة القصيرة ليست أدباً أقل شأناً من الرواية، بل أدباً مختلفاً في أدواته وغاياته. وقد يجد البعض في الحجة المتداولة المألوفة ذريعة لإعادة الاعتبار لها، وهي أننا نعيش اليوم في زمن السرعة، ومن الطبيعي الادعاء بأنها الأكثر ملاءمة بسبب ضيق الوقت، وهذا في حد ذاته فرصة للقصة القصيرة لعودة مظفرة كفنٍ يتعامل مع ثقافة سريعة من دون أن تفقد قيمتها الفنية، حالياً الضرورة تمليها، بعد تراجع القراء عنها، واندفاعهم نحو الرواية تحت تأثير هيمنة الدعاية، وكأنها البديل عن القصة والشعر أيضاً. إن الإقبال على الرواية أمر جيد، لكن ليس على حسابهما، خاصة أنه لا الشعر ولا القصة يمكن أن تحل الرواية محلهما، وإلا كان إفقاراً للأدب والإنسان معاً.
إن عالمنا المشوش بالتواصل الافتراضي، وتسارع المتغيرات، بات يعيش تحت رحمة مفاجآت التحولات المتعاقبة دونما تمهيد، في ظل اضطرابات لا تهدأ، عالم تضرب فيه الفوضى حتى في البلدان المتقدمة، ويعاني من جائحات الأوبئة والأمراض، لا تزايله مشاكل الفقر والجوع. الأدب ليس بغافل عنها، وتقع عليه مبادرة التعبير عنها قبل أن تغيب أو تُغيّيب ويأتي غيرها لا ليحل محلها، وإنما لتتراكم فوق بعضها بعضاً، الرواية عاجزة عن ملاحقتها، رغم أنها تستطيع استيعابها، لكن طبيعتها من ناحية البناء البطيء تأخذ وقتاً، بينما القصة القصيرة أكثر جاهزية للنظر إليها، والأقدر على التأثر والانفتاح على الإنسان المعاصر في معمعة العزلة الرقمية، وإيقاع الحياة المتبدل، والقلق الوجودي، وهي الشكل الأمثل لتمثيل واقع محفوف بالمخاوف، يسري فيه الاغتراب، وسيولة الهوية، وضغط التكنولوجيا، وهشاشة العلاقات الاجتماعية.
إذا فقدت اتصالها باللحظة الفارقة، تحولت إلى تمرين لغوي
هذه القضايا موضوعات معقدة، سيكون للحظة المشحونة دور في استهدافها وانكشافها عن: انكسار، صدمة، وعي مفاجئ، تحوّل داخلي، دمار روحي. لحظة مرتبطة بسياق اجتماعي أو نفسي أو ثقافي لا تنفصل عن زمنها. لحظة قد تكون فارقة، من دون أن تكون حدثاً ضخماً بالضرورة؛ مجرد تفصيل صغير، أو موقف عابر، يحولها الكاتب عبر الوعي الفني إلى علامة دالة على عصر انتقالي مضطرب، ربما متقلب، أو مشوه.
إن شرط نجاح القصة القصيرة هو كونها على تماس مع العصر، ولا يعني الوقوع في المباشرة. على العكس، كلما كانت القصة أكثر التصاقاً بالواقع، ازدادت قدرتها على تمثيل اللحظة دون أن تُستنزف بزمنها، فهي لا تؤرّخ الحدث، بل تكشف عن معناه في عمقه الإنساني، ولذلك تبقى صالحة للقراءة بعد مرور الزمن.
إن القصة القصيرة، إذا فقدت اتصالها باللحظة الفارقة، تحولت إلى تمرين لغوي، وفي أفضل أحوالها إلى طرفة صحافية، أما حين تنغمس في عصرها بوعي جمالي، فإنها تستعيد دورها الطبيعي: فنّاً يقظاً حساساً، قادراً على التقاط ما تعجز الأشكال الأطول أحياناً عن قوله.
يمكن القول، إن اللحظة الفارقة هي جوهر القصة القصيرة، بحكم طبيعتها المكثفة، المؤهلة لالتقاط نبض اللحظة الإنسانية. من هذا الجانب، تتفوق على الرواية، فهي لا تشرح العالم، بل تتأمله.
-
المصدر :
- العربي الجديد