من الفصل السابع المعنون بـ “ظهور الشبح واختفاؤه”

بعد ما يزيد على عامين من صدور رواية الشبح، لم يحدث ما يثير الاهتمام، مرور الزمن ولو كان بالسنوات لم يسجل تغييرًا لافتًا. فالعام الحالي يشبه ما سبقه، ولا يوحي بأنه سيختلف عما بعده، أحوال البلد لم يطرأ عليها ولو نزرًا يسيرًا من التغيير، فالوعود بالإصلاح بقيت وعودًا، والمعارضة ما زالت ملاحقة، أو في السجون، والمثقفون يتبادلون الأحاديث المتفائلة والمتشائمة، مع أن ما يرجى من الرئيس الوارث كان واعدًا، فهو طبيب عيون، لكنه غير ذي اختصاص يؤهله لمعالجة بلد متكلس، وإذا كان يسعى للإصلاح الإداري، فلا جدوى إن لم يترافق بإصلاح سياسي، بدا مستحيلًا. تَرِكة الرئيس الراحل لا يمكن إصلاحها، كانت المخابرات الضامن الوحيد لعدم المساس بها.

في هذه الأجواء المحبطة بانسداد الآفاق، صدرت رواية تحت عنوان “المنعطف” للكاتب عبد الرحمن حسن، لم يلتفت جسّام إليها، إلا بعدما كثر الحديث عنها. المؤلف لم يسمع به أحد، كانت روايته الأولى. علق الناشر على تساؤلات الأدباء عنه، بأن الاسم مستعار، المؤلف لم يرغب في إعلان اسمه الحقيقي، ولأن الشيء بالشيء يذكر، لا يدري إن كان له علاقة بمؤلف رواية “لقاء لا ينتهي”، فالروايتان وصلتا إليه بالبريد، مع ملاحظة مرفقة بعدم رغبة الكاتب في إعلان اسمه الحقيقي لأسباب خاصة.

بدت الأسماء المستعارة بدعة، قد تشكل إغواءً للكتّاب الجدد، للفت الأنظار إليهم، ما دام كاتب “المنعطف” يجاري من سبقه، ربما كسب بعض الشهرة، فالكاتب الحالي يقلد الكاتب السابق، لكن لماذا لا يكون هو نفسه؟ أي إن الاثنين واحد، وكلاهما الشبح، خشي من الظهور على الساحة الأدبية بالاسم نفسه، بعدما نُكّل بروايته الأولى، فاستعار اسمًا آخر.

جزم بعض الأدباء بأنهما الشبح نفسه، ما جدد الاهتمام به.

طار صواب جسّام وكرّوم، إذا كان الشبح، فقد عاد من القبر، لم يحسنا دفنه، مع أنهما واروه التراب معًا، عندما كانا يحتسيان البيرة الوطنية في نادي الصحافيين. لم يكن غيابه إلا لانشغاله بكتابة رواية، وما عودته إلا تصميمه على المناكدة.

ما أحرج كرّوم إزاء جسّام، كيف مرت الرواية من رقابة الاتحاد؟

“الشبح خدعنا، غيّر اسمه المستعار، وكالمعتاد كان الرقيب غبيًا”.

وأصدر حكمه على الرواية مواسيًا جسّام:

“لن تكون أفضل من هذا الهراء الذي تلفظه المطابع”.

كانا تحمّلا هذه الصدمة بشكل أفضل، لو أن توقيت صدورها لم يكن سيئًا، إذ خاب أمل كرّوم بجائزة الرواية، بعدما تأجلت إلى أجل غير معلوم، وربما ألغيت. وكان جسّام على وشك أن يبدأ بكتابة روايته مسترشدًا بالسحر المستولي عليه، فإذا بالسحر ينجلي عن إصابته بالعقم، بينما قريحة الشبح الشغالة تفتقت عن رواية ثانية، ما زعزع يقين جسّام بحلمه الروائي.

كان وقع الرواية عليهما أليمًا، وإن استعادا جأشهما وتظاهرا باللامبالاة، لكن استولى عليهما إحساس قاسٍ بالمظلومية، ضاعفه أن الفاعل شبح نكرة يؤلف وينشر دونما عائق، لا من يراقبه ولا من يمنعه!! لم يكبتا مشاعر الحقد، ولا نيات الثأر التي استعادت عنفوانها على ما أخذت رواية الشبح الثانية، تناله من استحسان فاق الأولى، بتعرضها لمرحلة مغيبة من التاريخ، كانت السنوات التالية للاستقلال السوري، وما أحدثه أول انقلاب عسكري، وتأثيره السلبي في الدولة والمجتمع في أجواء من فنون الغناء والطرب والمسرح.

قُرظت الرواية من الناحية الأدبية على ما تمتعت به من أسلوبية حاذقة؛ خلطة الحلم بالواقع، والماضي بالحاضر، واتساع المكان وتعدد فضاءاته. أما المثير المسكوت عنه، فدار الحديث حوله في الجلسات الخاصة؛ لم يوفر الكاتب العسكر من الانتقاد، وتحميلهم المسؤولية عن الأوضاع المتردية الحالية جراء الانقلابات المتتالية. فانكشف لهما دهاء الشبح الذي تفاقم تنكره، ليس بالاسم فقط، بل زاد عليه بلبوس معارض استعار اليسار، وربما اليمين، وأظهر شجاعة بتوجيه الاتهام للعسكر، مستغلًا عدم معرفة أحد به. علق جسّام حانقًا:

“لو كان يساريًا قحًا، لما تخفى تحت اسم مستعار”.

أكثر ما أزعجه، أن الرواية حازت ثناءً طيبًا، بتعمد الروائي التجريبية كدليل على تمرسه في الفن الروائي على الوجه الصحيح، على الضد من السمعة السيئة للرواية التجريبية، التي يعيبها ضعف الأسلوب، والخلخلة في السرد، والفوضى وعدم التركيز، فلا تجذب القارئ، ولا يستمتع بها، وإن كان بعض مثقفي النخبة يزعمون الإعجاب بها، حتى لو كانت مهلهلة. فإذا كان الشبح قد تغلب على هذه السقطات كلها، واستأثر باهتمام القراء واستمتعوا بالرواية، فسوف تصبح للشبح مكانة مرموقة في عالم التجريب يصعب زحزحته عنها.

لم يعد من إجراء يُتخذ ضده، سوى تشديد كرّوم على ما وعد به سابقًا، بتأكيد عدم قبول انتساب الشبح إلى اتحاد الكتّاب، مهما كان اسمه، ولو كان يحق له، بعدما بات لديه كتابان من تأليفه؛ لا، لن يُعترف به روائيًا.

بينما تعهد جسّام بتولي العناية بالشبح، فعقد اجتماعًا في المقهى لعصابته ضمّ أربعة من المقربين إليه، من محترفي الأذى الأدبي، وزع عليهم المهمات الموكلة إليهم، ثم أطلق حسب قوله كلابه لصيد وافر.

برهن الأول أن التجريبية في الرواية مصطنعة، لا انسجام فيها، كانت مشوشة ودخيلة. بينما مسخ الثاني الرواية إلى أحداث متلاحقة وتداعيات تاريخية، لا علاقة لها بالفن الروائي. وكتب الثالث أنه كان من الأجدى كتابة مقال يعبر عما يريد الكاتب بقول واضح، لا رواية تحفل بأفكار هشة، وأحداث عفّ عليها الزمن. أما الرابع، فكتب عن الروائي الجبان الذي أخفى هويته طمعًا بالشهرة، مستعينًا بانتقادات سياسية تداولها حزب البعث قبل سنوات في معرض النقد الذاتي البنّاء، ظهرت في الرواية بمعرض النقد الهدام.

مسك الختام، أشار إليه جسّام في زاويته الأسبوعية معلقًا على ما دار من نقد حول الرواية؛ إذا كانت قد كشفت عن شيء، فعدم القدرة على التجريب الروائي، لا تعدو محاولة هبطت بالسرد الروائي إلى الثرثرة، كذلك لم يجتهد الكاتب في التاريخ، بقدر ما اجتهد في التحريف. الماضي الحقيقي أبعد ما يكون عنه.

قُضي على الرواية بزاوية أدبية، وبضع مقالات نارية، والأهم إلحاحه على اعتبار الشبح كاتبًا تقليديًا أكل الدهر عليه وشرب، لا يزيد على كاتب كلاسيكي من الماضي، لا باع له في عالم التجديد والتجريب.