في خطابه بمناسبة نيله جائزة نوبل عام 1989، قال فاتسلاف هافل الكاتب والرئيس التشيكي الأسبق: لا ريب في أنّ الشك في الكلمات أقل ضرراً من الثقة العمياء بها”.

يمكن اعتبارها نصيحة لهؤلاء الذين يستمعون للسياسيين والكتاب ويثقون بهم، بينما دواعي الشك أضمن من الاعتقاد بما يتفوهون به، إذ ينبغي عدم إغفال جمال السحر الأسود للكلمات، طالما أن الكثيرين من الأدباء وجدوا في الستالينية والنازية والفاشية على الرغم من بشاعتها جاذبية خاصة، أتاحت لهم استعراض قوة الكلمة وتأثيرها، ولكن بطريقة مدمّرة، عندما روّجوا لدولة من نسج أوهامهم، تحكمها الطقوس والرموز والأناشيد الحماسية، والاستعراضات العسكرية؛ إنها المدينة الجبارة الفاضلة ولو امتلأت بالسجون.

تأتي رغبة المستبدّين في استمالة الكتّاب والفنانين بسهولة لا تقل عن الميل لقمعهم، حسب اعتقادهم، عن إمكانية الذات أن تعيد خلق العالم بالأفكار، وكأنها حمولة من الكلام لا تخطئ هدفها. بيد أن الكلمات لم تعد وحدها ذلك الشيء الغامض، والسحري، القادر على صنع الأحداث، كما من قبل، عندما كانت تلعلع من على المنابر، بعدما أضيفت إليها الصورة، في ثوبها الدرامي، والمؤثر الأكبر في الجماهير الغافية بلا أي أمان.

ذهَب زمن الكلمة السحرية، كان المستبدون يستخدمونها أسلوباً ولو كان عن طريق تقليد الأدباء، يبرهنون به أنهم ليسوا عاجزين عن الإتيان بمثله وأفضل، فكتب القذافي وصدام حسين الرواية، كما كتب أسلافهم في الغرب الرواية مثل يوزف غوبلز وزير الرايخ للدعاية، وكتب الشعر رادوفان كاراديتش المدان بالإبادة الجماعية، ولخّص ستالين الماركسية اللينينية بكراس صغير.

الأسطورة والخيال هما التجارة الحقيقية لجنون العظمة

بالمقابل لم يقل طموح بعض الكتّاب عن كبار الدكتاتوريين مثل الشاعر الإيطالي غابرييل دانونزيو الذي كان داعية حرب، وصاحب آراء سياسية عنيفة، مع أنه كان أعظم شاعر إيطالي، ولأنه شاعر كان يشعر بالملل من السياسات، ورأى الحُكم مسرحيةً كبرى لا مشروعاً عقلانياً. فأدخل ابتكارات مسرحية: القمصان السوداء، التحيات الرومانية، الخُطب من الشرفات، والمسيرات العسكرية، حتى أُطلق عليه لقب “الشاعر النبي”، ثم اللقب الذي سرقه لاحقاً موسوليني: الزعيم “الدوتشي”.

عقب الحرب العالمية الأولى، احتل دانونزيو مدينة فيومي بعدما جمع كتيبة من قدامى المحاربين في الجيش الملكي الإيطالي، إلى جانب وحدة من القوات النخبوية، جذبتهم شاعرية دانونزيو ومغامراته البطولية، كإسقاطه منشورات من طائرة ذات جناحين فوق فيينا. رأى في المسرح السياسي مملكة شاعرية، ما يلزمه بقيادة الأمة كـ”نبي” أو “زعيم”. فكرّس أشعاره وأوبراه ومسرحياته ورواياته لتجربة الجمال الخالص، رافضاً الأخلاقية والموعظة.

قبل أن تصبح الفاشية سلطة حاكمة، كانت تمريناً أدبياً لدانونزيو، وجدت صداها في “جحيم خالٍ من الله”، فالمواطنة والتعاطف والتضامن يجب أن تُمحى، وعلى الأتباع أن يتعلّموا الخضوع. ففي كتاباته، نشد الجمال، وكانت مثيرة عندما يغوص في توصيف فم المرأة الذي “يبدو وكأنه يشتعل بالحب مع كل زفير… شفاه مشبعة بدماء أغنى من الأرجوان، أو متجمدة بشحوب الألم”، ووصفه لعشاقٍ يتألقون بجمال “مختلف، سعيد وحزين، بارد وعاطفي، قاس ورحيم، متواضع ومتكبّر، ضاحك وساخر”. هذا التمجيد لتجربة الجمال الخالص لن يكون إلّا عبادة للموت في أتون العظمة. إذا كان للكاتب أن يكون ذا قيمة، فلن تكون تلك القيمة في خدمة الموت والاستبداد، بل في خدمة نقيضهما

تبدو العلاقة مربكة وخطيرة بين الكتّاب والسلطة الشمولية، خصوصاً عندما تتحول اللغة والجمال إلى أدوات بيد الاستبداد بدلاً من أن تكون وسائل للتحرّر منه. الأسطورة والخيال هما التجارة الحقيقية لجنون العظمة سواء كانت الحصيلة “روسيا العظمى” أم “إيطاليا العظيمة” أو ألمانيا الآرية المتفوقة على جميع الأعراق، أو أيّ شعب يعتقد أنه متميّز عن غيره من الشعوب، يُراد له أن تعاد إليه أمجاده، لكن الثمن هو أرواح الشعب نفسه.