مع نشأة السينما، وفي ما بعد التلفزيون، حاول صانعو الأفلام والمسلسلات التلفزيونية تشكيل أحلام للناس قابلة للتحقق، وكانت عن الحياة السعيدة المرفهة، وقصص الحب الجميلة (الفقيرة والثري، وبالعكس، الأميرة وشاب من عامة الشعب، وبالعكس) ذات نهايات سعيدة، كانت غير قابلة للتحقق. ومع أنها لم تنجح، استمرت صناعتها بضعة عقود، وما زالت تطل علينا من فترة لأخرى أعمال على هذا النمط، لكن من النوع الحديث، باعتبار أنه ما زال هناك من يطمح إلى براءة الحب والثراء النظيف، غير أن ما طرأ كان الأقوى، وهو طغيان أفلام الجريمة والعنف، وكانت انعكاساً للحياة التي لا يمكن إنكارها في العالم، وخاصة في أميركا الحافلة بجرائم القتل والنفوس المعقدة والمخدرات وعصابات المافيا، فلماذا تخلو السينما منها؟ ما أدى إلى انتشارها، بعدما ضاهت الأحلام، فالجريمة بلا عقاب، والاغتصاب بلا أدلة، وكذلك السطو على البنوك.
بينما اتخذت صناعة الأحلام في البلدان الشمولية، طابعاً خاصاً، جرى التحكم بها منعاً للحلم بلا ضوابط، من يدري إلى أين تقودنا، إن لم يكن إلى الفوضى فربما التفكير في الحرية، وهكذا تنقلب أحلام الشعب إلى كوابيس للأنظمة.
الأحلام، هذه هي الطبقة العميقة، الطبقة غير المرئية، لم تُترك طليقة، أخضعت لمؤثرات خفية في عقول الناس، فالإرهاب الشمولي لا يكتفي بالتحكم في الأجساد والكلام، بل يتسلل أيضاً إلى العالم الخاص المحصن بالنوم، حيث يعيد الخوف تشكيل طريقة التفكير من الداخل. من خلال أحلام مواطنين عاديين، بإيقاع الرعب في داخلهم، ليس خوفاً من العقاب بحد ذاته، بل الخوف من احتمالية المراقبة، من قول أو حتى التفكير في أمر “محظور” والأشد رعباً: الخوف من عدم القدرة على التأكد إن كانت هناك رقابة فعلاً.
حولت السلطة الناس إلى أدوات لقمع أنفسهم، دون أن يدركوا ذلك
في سورية الشمولية، تولدت لدى الناس قناعة بأن المكالمات الهاتفية مراقبة (ولم تكن بعيدة عن الحقيقة) وأيضاً الأجهزة الهاتفية الصامتة، تنقل ما يتكلم به أفراد العائلة في ما بينهم (كانت شائعة بشكل ملحوظ) فيتبادلون الحديث همساً.
وعلى خطى النظام النازي، لم يحتج نظام الأسد إلى مراقبة الجميع فعلياً، بل اكتفى بالإيحاء به، فأخضع الناس أنفسهم للمراقبة، ومارسوا رقابة ذاتية صارمة، واتّبعوا سلوكيات وقائية: كلمات مشفّرة، صمت متعمد، همهمة، تبادل إشارات… حتى أنه نتيجة الخوف المنتشر. صاروا يظنون أن الجدران تتجسس عليهم، (أصبحت للحيطان آذان) والأثاث يتنصت عليهم، من الغسالة والبراد إلى الخزانة والمروحة. تحوّلت المساحات المنزلية الآمنة إلى أدوات نفسية للرعب. لم تعد الأحلام ملاذاً، بل صارت جبهات حرب داخلية، كانت أحلامهم انعكاساً لهذا الاحتلال الداخلي.
ما كان يؤذي الناس ليس بالضرورة المراقبة الفعلية، بل عدم التأكد من وجودها. هذا الغموض خلق انفصاماً داخلياً: جزء يرفض تصديق وجود الرقابة، وجزء آخر يتصرّف وكأنها واقعة فعلاً. بهذا التحول، صار الضحايا يتعاونون دون وعي مع القمع، مما جعل الخط الفاصل بين الضحية والجلاد ضبابياً، فـ”الضحية” أصبح يجلد نفسه، بينما السلطة حولت الناس إلى أدوات لقمع أنفسهم، دون أن يدركوا ذلك.
لا يكتفي النظام الشمولي بتشويه الحياة العامة فقط، بل يُفسد العالم الداخلي للفرد. فالناس لحماية أنفسهم، يطورون خدعاً عقلية لحجب الأفكار “الشريرة”، وحتى التحكم في ما يسمحون لأنفسهم بأن يحلموا به. لا يحتاج الاستبداد دائماً إلى استخدام العنف أو فرض المراقبة الشاملة، يكفي أن يجعل الناس يعتقدون أنهم مراقَبون، ليبدؤوا بمراقبة أنفسهم، حتى في أحلامهم. أما نظام الأسد، فقد كان القمع والقتل أسرع بإخضاع الناس، بحيث أصبح هناك مصنعاً تلقائياً وطبيعياً للأحلام الرهيبة، تحت وقع الاعتقالات والمداهمات، والقصف، والبراميل المتفجرة، والكيميائي.
أخيراً لهؤلاء الذين على الطرف الآخر، الذين كانوا إلى جانب الشمولية على أنها العلمانية الموعودة بالديمقراطية، هؤلاء لم يصبهم شيء، فلم يشعروا بما أصاب غيرهم، هذا إن لم يكونوا من صانعي الأحلام الشريرة.
-
المصدر :
- العربي الجديد