القاهرة ــ «القدس العربي»: نهض المسؤول الثقافي عن مقعده، فكان ممشوق القامة، ممتلئ القوام، لا يشكو هزالًا، مع أن تشغيل العقل بهموم الوطن ينعكس نحافةً على المسؤولين. ذلك كان في الزمن الاشتراكي، عندما كان المسؤولون يتنافسون على بطولات الإنتاج بزعيق خطاباتهم في الاحتفالات الجماهيرية، والجعير بأصوات مبحوحة في المسيرات. بعدما نهض واستعرض طوله وعرضه، عاد فاسترخى على كرسيه، ومدّ قدميه فوق الطاولة، فلفت نظر جسّام توهّج حذائه بالسواد، وجراباته الناعمة البرتقالية. جاء في زمن الوفرة، وأتخمه الشبع. بعدما استرخى، قال إنه يتبع حمية للتخفيف من وزنه، قائمة على مأكولات صحية مضبوطة السعرات الحرارية. بالمقارنة معه، بدا جسّام أشبه بالصرصور؛ إذ يلزمه، من باب اللياقة، إجراء الكثير من التحسينات على شخصيته، لينفض عنه الحالة الصرصورية الغارق فيها عن حسن نية، والتي كانت من مستلزمات الأديب، يتباهى بها في التماهي مع الحالة الكافكاوية. ما سيضطره إلى التخلي عنها، ليستطيع مقابلته في المرات القادمة بشخصية لا تزدهي بالاغتراب؛ فهو لم يعد لا منتميًا، بعدما انتمى.
من خلال هذا المقطع، يسرد الروائي السوري فواز حداد حكاية العلاقة الفاسدة التي يتم من خلالها صياغة نمط المثقف العربي المعهود، والذي يتم إعداده تدجينه وتنميطه منذ البداية، حتى يصبح جديرًا بتصدّر المشهد، وبالتبعية مؤهلاً ليكون المتحدث والراعي الرسمي للسلطة الضالة التي يمثلها ويعمل من خلالها، ليصبح أكثر ضلالًا وفسادًا. من ناحية أخرى، يبدو التلوّن وحِرفية التعايش والتأقلم مع كل عهد؛ فمن زمن الجعير الاشتراكي إلى زمن تخمة التنوير. ولا تخفى شخصية (المتنوّر) المصري على أحد، ذلك الذي لم يزل الكثير من الدراويش يُسبّحون بحمده حتى بعد رحيله! يقول عنه حداد: «فبدا طه نسيجًا وحده، يزخر بالمتناقضات، تتبدى في كونه مثقفًا من نوع خاص جدًا، ومخابراتيًا من نوع أكثر خصوصية».

وإن لم يكن من الجائز التحدث عن الرواية من خلال مجرد التنويه عنها كإصدار جديد، إلا أن مسيرة الروائي السوري الإبداعية توحي بالكثير، سواء من حيث اختيار الموضوعات أو الرؤية ووجهة النظر الروائية. هذا النهج ظهر في العديد من أعماله، نذكر منها على سبيل المثال: «الولد الجاهل» (2000)، «الضغينة والهوى» (2004)، «مشهد عابر» (2007)، «المترجم الخائن» (2008)، «جنود الله» (2010)، «السوريون الأعداء» (2014)، «يوم الحساب» (2021)، و»جمهورية الظلام» (2023).
ومن هنا، تمتد هذه الرؤية وتتأصل من خلال حكاية الثقافة العربية، التي قد توحي بتأويلها إلى نشأة وضعية المثقف العربي في كنف السلطة، وكيف يتشكّل مصير المختلف معها والخارج عن إرادتها أو عن صراطها المعوجّ بالأساس، ككائن مطارد، مغضوب عليه، تلاحقه اللعنة أينما حلّ.
صدرت رواية «الروائي المريب» في بيروت عن دار رياض الريس للكتب والنشر.